في وقت مبكر من العام الجاري، ونظرًا لاهتمامي بعلم النفس أو بالأحرى تقنيات قراءة الأفكار والشخصيات، وبعدما كنت معتمدًا فقط على الموهبة الطبيعية والحدس، أخذت منعطفًا جديدًا في المسألة متجهًا إلى كتب علم النفس، خلاصة التجربة: فشل ذريع. وذلك لسببين اثنين: الأول هو أنه لا أحد من تلك الكتب تطرق بشكل واضح وصريح إلى كيفية دراسة تصرفات الناس من حولنا، فقط مجرد مواضيع تميل إلى الفلسفة أكثر من علم النفس! السبب الثاني هو أنه إن لم تكن سيغموند فرويد فلن تفهم شيئا يذكر! فالتعابير والجمل المتسخدمة بالغة التعقيد بشكل يثير الضحك أحيانا .. وهكذا تخليت عن الأمر برمته..
بعد ذلك بدأت بمشاهدة مسلسل أمريكي بعنوان "هانيبال" "HANNIBAL"وهو
مبني على الرواية الشهيرة للكاتب "توماس هاريس" "Thomas HARRIS"
بعنوان "التنين الأحمر" "Red Dragon"
.. وأحد الشخصيتين الرئيسيتين: مشخص نفسي لدى الاف.بي.آي اسمه "ويل
جراهام""Will GRAHAM" لديه قدرة طبيعية على فهم القتلة المتسلسلين من
خلال وضع نفسه مكانهم، أي تخيل أحاسيسهم وأفكارهم عندما يقومون بالقتل! بدت لي هذه
التقنية مذهلة جدًا، والأهم من ذلك أنها قابلة للتطبيق حتى على الناس العاديين!
لماذا؟ دعونا من ترهات علم النفس، ولنقلها صراحة: الناس من نفس الثقافة
والمجتمع يتشابهون في الكثير والكثير من أفكارهم وردود أفعالهم تجاه المواقف
اليومية! نحن شخصيات مشتقة من نفس الأساس النفسي لأننا وبكل بساطة بشر .. فما قد
تحس به أو تفعله مثلا إذا علمت أن أحدهم قال فيك سوءًا يشابه إلى حد بعيد ما قد
يحس به أو يفعله شخص آخر من نفس مجتمعك : الامتعاض من الأمر والغضب والكره وفي بعض
الأحيان اللامبالاة وذلك بالطبع يتغير حسب علاقة الطرفين. لهذا في المرة القادمة
التي يقدم فيها شخص على سلوك معين لا تفهمه أو إبداء مشاعر غامضة (كالغضب أو
العبوس الفجائي)، ليس عليك سوى تتبع خطوات تقنية أحب تسميتها "التعاطف
التخيلي" وهو، لكي أكون صرحيًا، تعبير ليس إلا بديلاً منمقًا عن "ضع (ي)
نفسك مكانه (ا)".
الخطوة الأولى: اغمض عينيك.
الخطوة الثانية: حاول الغوص جيدًا في أحاسيسك ونفسك الداخلية.
الخطوة
الثالثة: تخيل المكان والزمان
الذي حدث فيه الموقف (إن لم يكن معروفًا فليكن المكان الذي أنت فيه) وحاول أن يكون
عامرًا بالتفاصيل (تتوقف هذه الخطوة على مدى قدرتك على التخيل).
الخطوة الرابعة:
- تخيل نفسك تقوم بالفعل
نفسه الذي قام به الشخص وفي نفس المكان (قد يكون هذا الفعل حركة أو تعبيرًا وجهيًا
أو قولاً أو حتى بوسط فيسبوك! إلخ).
- وأنت تتخيل استحضر ما
ستحس به أنت أثناء ذلك والأسباب التي دفعتك "للفعل". ودع تلك العواطف
تستحوذ عليك.
ملحوظة: إن استعصى عليك
استحضار أحاسيسك أثناء " تخيل الفعل"، فحاول من جديد بداية من الخطوة
الأولى وبتركيز أكثر.
وهنيئًا لك، لقد تمكنت
من وضع نفسك مكان الشخص المراد "قراءة أفكاره". إن الأمر الرائع بشأن
تقنية "التعاطف التخيلي" أنك تنمي قدرتك على تفهم الناس، وبالتالي قدرة
أكبر على التعامل معهم والنظر إلى الأمور من وجهة نظرهم ومسامحتهم في حالة أخطئوا،
أي ببساطة التعاطف معهم .. هذا إضافة إلى تنمية القدرة على تخيل الأشكال والأماكن
والألوان، وسيظهر لك ذلك في أحلامك، حيث ستصبح أكثر واقعية!
وهكذا صارت هذه التقنية من أسهل الطرق وأفضلها بالنسبة لي لفهم من حولي، ولا أحتاج
حتى للتعبير عن استنتاجاتي بشأن الآخرين، ليس علي سوى الإحساس بها!

