إنه يوم الجمعة ، لبست ثيابي متجهًا نحو
المسجد، لا أكاد أسمع غير قرع النعال في كل ناحية، الكل يهرول لأداء الصلاة، سكوت يخيم
على المحيط، دخلت المسجد كباقي المصلين في سكوت وخشوع حتى أخذت مكانًا لي في إحدى الصفوف.
صليت ركعتين كتحية المسجد في انتظار الخطيب كي يؤدي الخطبة، لفتت انتباهي مجموعة من
العبارات المكتوبة تحث الإنسان على إغلاق هاتفه، وضع الحذاء في المكان المناسب، النظافة
من الإيمان، ضع حذاءك أمامك تجنبًا للسرقة. كل هذه العبارات تعرفك بالحالة التي وصل
إليها المسجد، قبل أن أنهي قراءة العبارات الأخرى المكتوبة قاطعتني رنات الهاتف هنا
وهناك، شاهدت بأم عيني رجل يرن هاتفه دون أن يقفل المكالمة بل تركه يرن إلى أن انتهت
الرنة و أنا في دهشة و استغراب و تأمل في هذا البيت المقدس.
انتظرت الخطبة، فإذا بالخطيب يخطب وبعض
المصلين نائمون، بل أسمع شخير بعضهم، وأنا أتساءل نفسي ما السبب الذي جعل هؤلاء ينامون؟
هل الخطيب يتكلم بصوت خافت لا يسمع؟ أم أن الموضوع لم يجلب انتباههم؟ يعني هو يتكلم في وادٍ وهم في واد، أم أن الخطبة
لم يعد لها دور عند هؤلاء؟ أم تعب الدنيا تغلب عليهم ؟ قدمت عدة أسباب في نفسي و التمست
لهم الأعذار.
صراحة، هناك بعض الخطباء الذين يتسببون
في نوم هذا النوع من المصلين، لأن الخطيب يجب
أن يتكلم بصوت مسموع وبلغة بسيطة مفهومة حتى يتسنى للجميع الاستماع إليه و التفكر و
التدبر في ما يقول. فيختار المواضيع المهمة و التي تهم المجتمع . بهذه الطريقة سوف
يتلقى أذن صاغية و يجد من يسمع لصوته و إلا ينام الجميع.
ما أدهشني أكثر هو عندما انتهينا من الصلاة،
سبحان الله أتعجب، تصورت ذلك المنظر، الناس يهرولون ويتسابقون نحو الباب وكأن زلزالاً
ضرب المسجد، ما زال صوت أرجلهم على خشب المسجد في أذني مسجلاً. و عندما خرجت اندهشت أكثر لما يحدث عند باب المسجد. تخيلتها مظاهرة أو إضراب لأكتشف في النهاية بأنهم
تجار محاطون بكل زاوية من المسجد يبيعون الخضر و الفواكه، يرفعون أصواتهم و يهتفون
بثمن منتجاتهم، متسولون هنا و هناك يطلقون
أفواههم طلبًا العون من المصلين و يمدون أيديهم، متسولون من مختلف الجنسيات.
هذه أحوال مساجدنا التي كانت بالأمس بيوت
يذكر فيها اسم الله و يُعلم فيها الإنسان ويُربى
تربيةً حسنةً و ينشأ فيها علماء ومفكرون، أصبحت اليوم مكانًا مهيأ لسرقة الأحذية، التسول، التجارة، رنات
الهاتف بجميع أنواعها و ما خفي أعظم.
للتواصل مع الكاتب على الفيسبوك ، اضغط هنا : علي كلوج

