جلست عند شرفة غرفتها و سافرت بخيالها في جمال النجوم، لاحت نظراتها و تجولت في شرود عميق. عيناها تحدقان في شجرة اللوز تارة، و في ملايين النجوم تارة أخرى، أما ذهنها فقد توقف عند محطات ذكريات سريعة لاحت في فكرها، أثارت فضولها، قبل أن تتساءل عن معنى الصداقة، مدركة أنها لا تعترف أبدا بمعنى مثل هذه الكلمات. شأنها شأن الحب، السعادة و الحزن...
لاحت ببؤبؤ عينيها في الأفق، أنصتت بتمعن لما تحكيه
الرياح، فخاطبت زهور اللوز وهي تعلم أن الجماد لا يجيب :
-
يا أجمل و أرق شيء أبدعته الطبيعة كيف هي الحياة بلا صداقة؟ أجيبيني وأطفئي
نار حيرتي:
فإذا بريح تهب و تهز أغصان الشجرة و تبعثر خصلات شعر الشاردة الذهبية الناعمة،
فأطبقت جفنيها تلافيا للدرات التراب المتناثرة في الهواء، و إذا بعينيها ترى ما
أصحى فضولها..
عند جدع الشجرة المائل، هوت على جنبات شرفتها، ورقة لوز، فغدى الطائر متجها
صوب الورقة الجافة، حملها بمنقاره وحلق نحو عشه المتواجد في آخر الشجرة.
- عجبا؟ لماذاا ينتظر الطائر سقوط الأوراق الميتة ولا يقطفها مباشرة من أغصان الشجرة؟ فهو يعيش فيها صباح مساء، فكيف لم يلاحظ تواجد الورقة؟ أو لربما لم يرد انتزاعها إلى أن تسمح له الشجرة بالتقاطها؟
- عجبا؟ لماذاا ينتظر الطائر سقوط الأوراق الميتة ولا يقطفها مباشرة من أغصان الشجرة؟ فهو يعيش فيها صباح مساء، فكيف لم يلاحظ تواجد الورقة؟ أو لربما لم يرد انتزاعها إلى أن تسمح له الشجرة بالتقاطها؟
فجأة سمعت صوت يقول :
- الطائر صديق وفي للشجرة، يتبادلان فيما بينهما أصدق المشاعر.. الصداقة. كما
تلاحظين، الشجرة توفر للطائر الأمان، والمسكن، والقوت... والطائر ينقي جذوعها من
الحشرات الضارة.. يتعايشان فيما بينهما في سلام و أمان.
خاطبتها الفتاة في كرب :
- إنها خراب ووحشة، إن الصداقة ولت. فلم يعد أحد في هذا
العالم يفهمني، ولا أحد يهمني.
كان لكلمات الفتاة وقع غريب، فلم يكن الجواب متوقعا. لقد كان من المنتظر جوابا
يروي ظمأ المشاعر الصادقة، التي يتحلى بها كل من الشجرة و صديقها.
لقد كانت الفتاة أميرة تائهة في متاهة المشاعر، بين صدق صديق و خيانة آخر، بين
حب رفيق عمر و كره آخر. لقد جعلت منها الحياة ذلك الإبن العاق للمشاعر، جعلت منها
هدا الهائم في بحر مظلم بلا منارة.
رفعت رأسها للسماء و قالت:
- استمع لحكايتي يا قمر لعلك تفهم معاناتي، فكل من على الأرض لم يستجب لندائي.
يائسة أنا، لا حول و لا قوة لي، سئمت الاستسلام، و خارت قوتي من كثرة الجروح. لقد
كان لي صديق أوافيه بكل جديد، يحكي لي قصص عشقه و مغامرات طيش شبابه. و مع كل
حكاية كان يسافر بي خيالي في بحر الأحلام، فأضع نفسي مكان تلك الفتاة، و أرتدي ثوب
العاشقة في مخيلتي، في كل مرة كان يوقظني كمنبه الصباح، قائلا : "انتهت
الحكاية".
مرت أربع سنوات على هده الحال، إلى أن قال لي يوما: "أنا أحبك" ثم
أغلق الحوار.
صمت لبرهة، و الدمع يسقي جفونها، تم أكملت:
صمت لبرهة، و الدمع يسقي جفونها، تم أكملت:
و قد كانت عندي صديقتي، أخت لم تلدها لي أمي، كنت أحكي لها حكايات هذا الشخص.
و عندما قلت لها ماذا أجيب ؟ قالت لي : "إنه زير نساء، كما فعل بهن سيفعل
بك". فلم أكترث لكلام صديقي و اتبعت نصيحة صديقتي
.
و في يوم من الأيام و أنا أتجول في الشاطئ، وجدت صديقتي بين يدي صديقي، و هو يقبلها، و يضمها إليه بما أوتي من حنان، بكل عفوية يلهوان و يمرحان.. حدقت به طويلا منتظرة الجواب.
و في يوم من الأيام و أنا أتجول في الشاطئ، وجدت صديقتي بين يدي صديقي، و هو يقبلها، و يضمها إليه بما أوتي من حنان، بكل عفوية يلهوان و يمرحان.. حدقت به طويلا منتظرة الجواب.
فما كان للقمر إلا أن طلب منها التمعن في الشتات الذي يكون أيام الخريف، و كيف
يهاجر الطائر مكانه، و يعود في الربيع، "هكذا الأصدقاء، مهما افترقوا و مهما
ابتعدوا سيعودون". و طلب منها أن تلاحظ كيف تسقط الأوراق الميتة، و تعاود
الظهور بأبهى حلت في كل سنة، "هكذا المشاعر مهما تضررت، ستتفتح من جديد".
استفاقت من غفوتها،
فوجدت نفسها قابعة في شرفتها و شجرة اللوز مشرققة كعادتها، ففهمت حينها معنى الصداقة
بعد جلسة التأمل الطويلة، التي جابت بها أهوال الحياة. فالصداقة كالمشاعر، تختفي
ثم تظهر بشكل جديدن مع نفس الشخص أو مع شخص جديد، فالقلب منبع الرفق و الصدق و
الحب، دائما يعد بالتجديد. فإن الصداقة غابت عن شجرة توشك على الموت حزنا! و في كل
سنة تتجدد بها الحياة، عند عودة العصافير فيبزغ فجر جديد.

