... هكذا يبتدأ تعريفها غير المعروف، تكفي ثلاثة نقط لأن تصف تلك الإنسانة،
لطالما كانت نقط الحذف تعبر عن تتمة الشيء إلى آخره، لكن في حالتها يستحسن أن
يبتدأ التعريف عنها بـ (...) لعل القارئ يدرك أن لا بداية لها و ليدرك أيضا أن من
لا بداية له لا أمل في وضع نهايته و لو عبثًا...!!
يلفها الخجل و الخوف من كل الجوانب حتى جوانب الجوانب لم تنج من خجلها الخائف
و خوفها الخجول، إلا أنهما شعوران يتزامنان مع وجود جرأة و شجاعة نائمان عمدًا على
بساطها الداخلي.
ماذا عساي القول عنها سوى أنها طفلة مفرطة في رُشدٍ يفضح شيخوختها التي تستتر
باستحياء وراء عمر لطالما كانت تؤمن بأنه لا يليق بها و لا تليق به
مزيج هي بين أنوثة مرهفة في الجسد و الإحساس و بين ذكورة مترهلة في الفكر و
التفكر.
تأبى بأن تلقب ب"مجرد أنثى" كونها تكره ضعف نون النسوة و تحقد على
تسلط حروف المذكر.
لها سلوكيات جامحة و غامضة بقدر ما تثير الضحك و الجدل و السخرية في نفسها
أحيانًا وفي نظر الآخرين أحيانًا كثيرة.
إليكم القليل عنها و لو أن الكثير لن يزيدها إغراءًا :
غبية هي بشكل مبالغ فيه لكنها تسعد لغبائها و ترى فيه ذكاءً ماكرًا يصعب اكتشافه،
لا تريد أن تكون ذكية بقدر ما تحب ممارسة الذكاء من أجل الذكاء لا غير.
لا تحب نفسها و لا تكرها، تقف على حافة الكره كما هي واقفة عند عتبة باب
المحبة، لم تقرر بعد هل ستقفز أم ستقرع الجرس؟
صامتة هي بشكل يهز البدن، يخيفني صمتها المبالغ فيه، يشبه الهدوء الذي يسبق
العاصفة، تحب الصمت بقدر ما تعشق الكلام لكن ميزان الأولوية ينحني للصمت ، ثرثارة
هي بعض الشيء وفي بعض المواقف خصوصًا في حضور أصدقائها المفضلين لا تكف عن الكلام
فرحا بهم وكأنها صاحبتهم للتو.
تعشق الهدوء و السكينة
لدرجة مرضية، مهووسة هي بالسكون الساكن و السبب راجع للصخب المشتعل بداخلها
،لهذا كثيرًا ما تميل بل تهرب لتنزوي في ركن و تنكمش كقطة فارة تجلس وحيدة دون
حركة ساكنة تترقب و تتابع و تنصت للضوضاء المفتعلة في باطنها، حقًا فبداخلها
زوبعات و اشتباكات، صراخ و صياح، كلام لا ينتهي ، أصوات لا تصمت، بداخلها مدينة لا
تنام بل دولة لا تستيقظ إلا عندما تكون وحيدة لتعذبها و تشاركها وحدتها معاقبة
إياها على هذا الاختيار.
وحيدة هي لأقسى درجات الوحدة رغم اكتظاظ محيطها و كثرة معارفها إلا أنها لا
تنفك عن الإحساس بالقنوط و الوحدانية و الغريب في الأمر أنها تحب وحدانيتها لأنها
تؤمن بأن الشخص الذي يعشق الوحدة هو شخص تحمل أكثر من اللازم .
بريئة في إحساسها براءة الأطفال، تبكيها أصغر الأشياء و أبسطها، تتأثر من لا
شيء تنهمر في البكاء بمجرد أن تتوارد إلى ذهنها فكرة البكاء فتفتح صنبور مياه
جفونها لكنها تكره أن تبكي أمام أحد ، تأبى أن تشهر ضعفها لأي مخلوق و لن تستسلم
لمثل هذا الأمر...!
تعشق رجلاً واحدًا و ترى فيه كل الرجال، تعتبره سيد قومه و سيدها، رجل تخجل
الكلمات من أن تصفه ، تراه شامخًا لأبعد الحدود، هي لا تحبه هي تعبده بعد الله
عبادة ولو أن مشاركة الله في العبادة تعتبر شركًا إلا أنها مستعدة للعقاب فداء
والدها، أبوها الذي اختزل كل معاني الأبوة واحتكرها، متيمة هي به حد الوجع، تتنفسه
و تتغذى به. لا تربطها بالحياة سوى فكرة تتمنى تحقيقها، فكرة ستبتدأ أسطرها بـ:
"من أجل أبي س..."
من أهم أمنياتها أن يسبق أجلها أجله، فالعيش بدونه يشبه الجفاف وهي التي
لطالما اعتبرت وجوده رحيقًا و مياها تسقي جذورها، فقط فكرة فقدانه تجعل كل ما
بداخلها ينصهر في لحظة، هو نقطة ضعفها وقوتها، باختصار هو أوكسجينها و لن يستطيع
المرء العيش دونه، مشهورة هي بشيء يدعى الحزن،سعادتها حزن، فرحها حزن، نجاحها و
فشلها حزن، ضحكتها وتجهمها حزن أيضا،كل تفصيل مفصل منها يعتريه حزن دفين لا تعرف
سببه، كثير ما يقولون لها أن حتى ملامحها حزينة ترفض الانشراح لأي شعور عداه و
الأعمق من هذا تحب حالتها هذه أو بالأحرى تفضل الغوص فيها، شابت على الحزن واعتاد
عليها و جعل منها مسكنه وزاده فهو يتغذى منها ليجوعها، يشرب منها لينشف حلقها،
ينام فيها لتسهر هي، يرتاح داخلها ليشقيها معه، حزينة هي و مثال للحزن بجدارة.
حقودة بعض الشيء و تأبى النسيان و تحرص دائما على ترويض خلايا ذاكرتها لكي لا
تغفل و تنسى أي شيء، يحتويها طابع انتقامي إجرامي لا تخجل من البوح به، تكره
المسامحة و الغفران لأنها تظن أن من يحب و يكترث لأمر الآخرين لا يجرحهم و لا يأذيهم
و لو عن غير قصد، لهذا دائما ما تنفر من قولة "المسامح كريم" تافهة هي
هذه العبارة بالنسبة لها لأن من يستحق الكرم هو من لا يغلط في حق الآخرين لكي لا
يضطر المسامح للتنازل و مسامحته، تحتاج لأن لا تنسى لتعيش.
مفرطة في الأحلام و الأمنيات لدرجة مبالغة فيها، تؤمن بأنها مادمت على قيد
الحياة و قلبها ينبض فمن واجبها على نفسها أن تحلم و تحلم دون توقف، ربما تحاول
تجاهل مرارة واقعها بالاختباء تحت عباءة الأحلام، تريد أن تصبح شخصا ناجحا، ناجحا
بكل ما للكلمة من معنى، تريد أن تنتقل من تلك الفتاة التي كانت لتلك الفتاة التي
أصبحت.
أمنياتها عديدة و لا يحصرها شيء، مفرطة في كل شيء له علاقة بالمستقبل، تتوق
للعيش فيه لتشهد ميلادها الجديد، متطلبة في الخيال و مكتفية غصبا على أرضية
المنطق.
ربما ستثور غضبا مني لأني ذكرت تفاصيلها الكبيرة وأغفلت الصغيرة منها عمدا،
لأني على يقين بأن الجهل ببعض الأمور خصوصا المهمة يزيد من قيمة الشيء المجهول.

