وقف أمام باب بيتها محاولا تكسير جدار الصمت و البوح بخبايا أعماقه بعد غياب طويل ثم استدار و طرق الباب بقوة ،وانتظر قليلا لم يسمع أي خطى لشخص قادم لفتح الباب ،أعاد الكرة مرارا ، وكل واحدة أقوى من الاخرى ،راودته رغبة في تكسير الباب لكن دون جدوى كان الباب حديديا في إحدى زوايا الدرب المحدود و بعدها جلس منهارا على حافة الباب يلعن الاقدار و يخاطب نفسة ،لماذا كان القدر معاكسا لكلينا ؟ أحببتك حتى الموت بينما كنت أنت تساعدينني على شراء كفني ولكنني أحمق ماذا كنت أنتظر من عاهرة مثلك أن تنتشلني من الموت المقدر ؟ وصاح بأعلى صوته أمثالك لا يمتلكن ضميرا ولا شرفا ،آه يا رب الكون ، لماذا أحس بأن جزءا مني مفقود في هذا البيت أو في ركن من أركان جسدها كان هذا إحساسا راوده منذ أن قرر تركها و المضي الى المجهول ،طالبته بالبقاء وقلبها الشفاف يتحسر على وداعه و الدموع تنهمر من مقلتيها كلهيب منفلت من بركان حديث الانفجار و هي تقول:
- أرجوك لا ترحل فهناك أمر يدعوا كلينا للارتباط و البقاء. - أيتها العاهرة أمازال لديك قوة للكلام ؟ صحيح أنني أحببتك وكان خطئي منذ البداية لم يكن يجدر بي أن أحبك .
- أنا ايضا أحببتك ولم أكذب يوما بهذا الشأن ،كنت أنت هو النور الذي أضأت به حياتي.
-أصمتي اللعنة عليك أنت كمثلك فتاة شارع تتزينين كل ليلة و تلبسين لباس فاضح و طلاء أحمر على شفتيك و تخرجين مسلحة للإصطياد ،كنت غبيا حتى سقطت فريسة في شباكك المتعفنة.
- هذا يكفي ،إستحملت تجريحك لي كثيرا ، العاهرات مثلنا أنظف ضميرا من أمثالكم ،حسنا أيها الغريب أظنك هذه المدة الطويلة أخذت فيها ما يكفيك و قد قامت هذه العاهرة اللعينة بخدمتك طويلا على أكمل وجه. - آه حقا ؟ لم تخدمينني بدون مقابل حتى أنت نلت مني كل متطلباتك.
اقتربت منه قليلا ترجو منه في كل خطوة اشتمام رائحة الماضي ،تقابلت عيونهما عن قرب و رمقها بنظرة كهربائية زعزعت كيانها و أخذها من ذراعها وقذف بها أرضا و تركها تتألم ورمى فوق جسدها العاري بعض الأوراق النقدية واستدار بعدها الى الباب ينوي الرحيل و قال دون أن يلتفت إليها و يتملكه خوف من عيونها الساحرة و ضعفها في تلك اللحظة ،كانت فاتنة حتى في أصعب حالاتها . - سأرحل بعيدا لأنظف شرفي و ضميري من بائعة هوى مثلك وخرج و قبل أن يتبع الباب وراءه لحقه صوت مبحوح و ضعيف وكأنه يلتمس العودة - هكذا و في لحظة إستيقظ ضميرك أيها النقي ،سكتت قليلا و أكملت إذهب ..إذهب الى أين أنت ذاهب و إياك أن تعود و شكرا لكلماتك هاته التي ذكرتني من أكون و من أي طبقة نتنة أنحذر.
إستيقظ في صباح اليوم التالي و صدى الذكرايات تنخر في مخيلته دون أن يعي بقوة الأمطار المتهاطلة أو أنه قضى ليلته متكئا على بابها و الحنين و الشوق ونيسه ،عاود طرق الباب و هو متأكد من أنه أصبح مهجورا و مستنقع ذكريات كانت في أوج نضجها لكن يد الضمير التي جاءت في غير أوانها و بدون هدفها لتحطم كل حلم جميل ؛و في تلك اللحظة فاجأه صوت غريب إلتفت يمينا وشمالا وهو يبحث عن مصدره ورفع رأسه إلى الأعلى ليصادف إمراة عجوز تطل من نافذة بيتها - أهذا انت ؟ كانت متأكدة من عودتك يوما ما . إنتظرتك كثيرا و هي متكئة مثلك على الباب و في عينيها نظرة الحنين إلى ماضي لن يعود . - أرجوك سيدتي أخبريني أي شيئ عنها ؟ و أين أجدها؟ . - إذهب فلقد أتيت متأخرا وأغلقت النافذة وراءها. بقي رافعا رأسه يفكر في كلمات العجوز و هل هو فعلا صوت نسائى أم إنه صوت الضمير؟ لم يعد يعرف شيئا عنها منذ ثلاث سنوات عندما رحل إلى باريس قصد نسيانها بعدما أدخلها في حياته و أصبحت جزء لا يتجزأ منه . ثلاث سنوات عاش مع طيفها و عندما قرر العودة إليها و في حنجرته دواء لجراحهما كان يريد أن يقول لها (أحببتك أيتها العاهرة فأنت في نظري أشرف من الشرف) و لكن القدر كان ضده للمرة الثانية كان أول ما قام به عند و صوله إلى أرض الوطن هو التوجه مباشرة إلى بيتها وبعد هذه الليلة العسيرة عزم على الذهاب إلى والدته وهذه المرة فتحت أمه الباب و احتضنته في حنان و دفئ و كان بيتهم لا يبعد كثيرا عن بيت الذكريات و العشق ، إستمر الحال على هذا المنوال بحث في كل ركن من أركان المدينة و في الأماكن التي كانوا يرتدونها سأل كل شخص كان يعرفها لكن دون جدوى يخرج كل صباح و يعود منهمك الجسم وحزين الخاطر
-لا شيء . أين يمكن أن تكون قد ذهبت ؟ كيف تراها تعيش ؟ هل هي بخير ؟ . لم يكن يدرك أن صوته وصل إلى مسامع أمه و جاءت تخاطبه "عمن تتحدث يا بني ،إني لأراك متعب منذ عودتك ، أصحيح أن الغربة متعبة لهذه الدرجة"
-لا تقلقي يا عزيزتي كل ما في الأمر أن هناك أمرا بسيط يحيرني و سوف أجد له حلاّ قريبا ،نامي أنت و لا تنسين دواءك .
- آه يا إبني الحبيب ، نسيت أن أعطيك ظرفا أحضرته لك فتاة منذ مدة طويلة ،ملاك في صفة إنسان و قالت لي في منتهى اللطف أن أعطيك الرسالة حتى إنني جعوتها على فنجان قهوة و كنت مستمتعة بمرافقتها لمدة نصف ساعة ،كانت كلماتها حزينة تكسر جدار القدر و هي تنظر نظرات تشبه الوداع في جدران البيت و كأنها تبحث عن شيئ ليس له وجود أصلا.
سلمته الرسالة و قالت آسفة يا بني نسيت أن أسلمها لك حال وصولك ثم انصرفت
أخذ الرسالة و قلبه ينبض بسرعة و كأنها لحظاته الأخيرة و أحس بانقباض مفاجئ و أخذ المحتوى . عرف من البداية أنها منها و بدأ القراءة
****إليك أيها العزيز المفقود فمنذ رحيلك أصبحت أعيش بلا روح ؛ وأصبح جسدي صحراء قاحلة يستقلون عبره الرحال ،إشتقت إلى الليالي الدافئة معك و إلى حديثك الشعري و غزلك المعتاد ،أتعلم؟ قصصت شعري الأسود الحريري الذي كنت تحبه كثيرا و تحب رائحة عطره و أحرقت ذالك الفستان الأحمر المزركش الذي أهديتني في ثالث لقاء لنا ،أكتب لك هذه الرسالة والدموع تسقيها ، بعدما حزمت أمتعتي ، و قررت أيضا الرحيل و سوف أزور والدتك الحنون التي حدثتني عنها ووعدتني أن نزورها معا لكن شاء القدر أن أزورها وحدي و أعطيها شتات ذكرياتنا كانت هناك ذكرى سوف تجمعنا و قلت لك يومها "أن هناك أمر يدعو كلينا للبقاء" لكنك لم تهتم و كيف لعزيز مثلك أن يهتم لكلام عاهرة ؟ كنت حامل في الأسبوع الثاني و كان طفلك منذ التقيتك وعدت نفسي بالإخلاص لك و لحبنا لم أكن أعلم بأنني دنس و أن نيتك أن تغتسل مني ،كان كل أمالي أن تمسك بيدي و أنا أضع الجنين ،كنت أتألم كثيرا و أفكر في آخر لحظاتنا و إهانتك . كان في نيتي أن أحدثك قليلا عن ملامح الجنين أو عن جنسه لكن حتى أنا لا أعلم طلبت من الطبيبة أن لا تخبرني عنه شيئا و أن تهبه كهدية للعائلة التي حدثتني عنها يوم دخلت المستشفى ،أنت قررت أن ترحل و تنسى ذكرياتنا الجميلة و ترميها وراءك وأنا ايضا قد قررت أن أرمي ثمرة حبنا إلى المجهول و أمضي إلى حيث لا أعرف . سوف أرحل بعيدا يبدوا أن هذا هو قدرنا.
مع حبي العاهرة التي أحبتك بجنون .

