1
كانت التكنولوجيا هناك في مسقط رأسي أيام طفولتي البريئة منها و المذنبة،تقتصر على راديو ضخم في ركن مميز داخل البيت كأنه ضيف خفيف دائم لا يهمه واجب الضيافة في شيء سوى بضع بطاريات عندما يبح صوته و تعلو الحشرجة كلماته؛ لا يكف عن الكلام، يختفي داخله الدعاة والمطربون ومذيعو الأخبار بل حتى الأطفال، كنت أحب ذلك الصوت؛ صوت تلك الساعة العملاقة وتلك العبارة الشهيرة التي تليها"هنا لندن"؛ لم أكن أعرف حينها من هي "لندن" كنت أعتقد أن العالم ليس سوى بلدتي الصغيرة و كفى؛ لكن الضيف الدائم أخبرني لاحقًا عن الكثير، حدثني عن أزمنة و أقوام؛ حدثني عن لندن و باريس و روما...والقدس لطالما رددها عشرات المرات كل يوم مقترنة بكلمة المحتلة، أخبرني الضيف بعد أن اتخذته أنيسًا لي أنه من بريطانيا العظمى و تذكرت أنه قال لي عنها أنها السبب في معاناة القدس و أهلها ورغم ذلك يرثي لحالها. حينها لم يكن لهذا التناقض من فهم غير أن الدنيا مصالح...ولازالت .ذات يوم دخل بيتنا ضيفٌ جديد حدثني عنه أبي قائل أن اسمه تلفزيون وهو من عائلة الضيف الأول ...نعم تذكرت لقد أخبرني عنه صديقي الراديو وقال أنه بإمكاني أن أراه من خلاله...كنت متشوقًا لرؤيته و مشاهدة ما وعدني به، وفي أول تجربة له كان المنظر صادمًا صوت مزعج و الكثير من النقاط الصغيرة بيضاء و سوداء، سرعان ما نطق أحدهم عند رأيتها مذعورًا"إنه التشاش"؛ علمت فيما بعد أن "التشاش" ليس سوى مرادفا لليأس،العقبة الوحيدة التي كانت حاجزا لتحقيق الأمل هي موجات تحملها الرياح تمر في السماء من فوقنا ولا يمكنها النزول إلينا؛حسب ما صرح به أحد حكماء الدوار .وفي يوم من الأيام بعد أن سئمنا من هذا الصندوق الخشبي الكبير قررنا تحدي السماء و الرياح والوصول إلى تلك الموجات و أسرها داخل التلفزيون حتى نتمكن من الرؤية بوضوح من جديد، كنا متلهفين لذلك؛كشوق الأعمى إلى الإبصار،هكذا عقدنا العزم و جمعنا العدة و العتاد و انطلقنا صوب أعلى قمة جبلية لننفذ خطتنا و نقبض على مبتغانا. ما إن وصلنا حتى بدأ العمل على قدم و ساق كبار القرية يبحثون بواسطة مشط حديدي كبير عن تلك الموجات، 'لانطين" حسب اللقب الذي عرفناه به .كنا مسمرين نحن الصغار أمام شاشة تصدر صوتا أشبه بصوت البحر رغم أنني حينها لم أرى البحر من قبل،كنا مركزين مع بعض الصور تظهر حينا وتتخفي حينًا ونحن نصرخ ونوجه "مول لانطين"ذات اليمين تارة و ذات الشمال تارة أخرى.وأخير التقطنا الإرسال وفجأة ظهرت إمرأة جميلة وبصوت ممزوج بهدير البحر وقالت"هنا الرباط"...
الرباط!!...
أين هي لندن !!...
#يتبع

