728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    مَاسِحُ الأَحْذِيّة ~ محمد بدازي ~

    مَنْ مِنّا استوَقفَ نفسَهُ مرّةً، وأخذ يَتأمّلُ ماسحَ الأَحْذِية؟ ليس لٍأنّ منظرَهُ يدعو إلى التَّحَنُّنِ أو التّعَطُّفِ، لا أبداً. فالشّكلُ والهِنْدامُ لَيْسَا معياراً نَحكمُ من خلالِهِ على بؤسِ، أو حاجةِ، أو حرمانِ، أو عَوَزِ الإنسان. إنّما من أجلِ الغوصِ في عالمِ هذا الإنسان، مهنة هذا الإنسان، سلوكيات هذا الإنسان...

    مَاسِح الأحذيةِ، مِن شِيّمِهِ الحميدة، أَنّهُ "مَكَيْهَزْشْ الْعَيْنْ في النّاسْ"، ولاَ يَدخلُ ذلكَ في بَابَ الخجلِ، أو الاستحياءِ، أو البراءةِ، أو الطُّهرِ، إنّما بكلِّ بساطة، لأنَّ عَمَلَه وَرِزْقَهُ موجودانِ في الأسفل.. عَالَمه، عالماً سُفْليّاً. هو غيرُ مبالٍ بما يَقعُ في الأعلى، يهتمُّ فقط بالأسفلِ، يُراقب الأرجل وهي تسير، يَبحثُ عن أحذيةٍ تحتاج إلى التّلميع، يُميزُ بين رفاهيةِ وثراءِ الناس، وبين عوزهِم وفقرهِم من خلال الأحذية.
    يَقصدُ ماسحُ الأحذيةِ المَقَاهي، ليسَ من أجلِ العملِ وكفى، إنّما تَأْتي به السّيقانُ الثّلجيةُ  النّاصعةُ. أكثرَ شَيءٍ يُثيرهُ في المرأةِ، ويهيجهُ، ويُلهبه، ويَستفزه، هو السّيقان، نعم الّسيقان.. لا يَهُمّهُ أَحمرَ الشِّفاه، ولا تَهُمّهُ النّهودُ النافرة.. ولا حتّى تلكَ الأمورُ التي يُركز عليها الكثيرون.
    رُبّما أكثرَ المَشاهدِ التي بَقِيَّت رَاسخةً وثَابتةً في ذاكرةِ ماسحِ الأحذيةِ، تِلكَ التي وجدَ فيها عملاً بقربِ سَاقينِ خَرجَتا من تَنُّورةٍ قصيرةٍ. يتذكرُ كلَّ التّفاصيلِ؛ لَونُ التّنورةِ الوردي، ويتذكرُ بالتفصيلِ المُمِلِّ، اللّحظة التي كانت تُوضعُ فيها السَّاقُ اليُمنى على السَّاقِ اليسرى، وحين تُوضعُ الأخيرة على اليمنى، أزعجته هذه الحركة حينذاك كثيراً، إن لم نقل أهَلَكَتْهُ، حتّى أنّها (الحركة) دَفَعَتْهُ لوضعِ حقيبتهِ أمَامه دَرءاً ل"الشُّبهَةِ".
    ماسحُ الأحذيةِ يُخزِّنُ في ذاكرتِهِ عديدَ الأمورِ التي تهمُّ العالم السُّفلي، يتذكر مثلا؛ الرّجل الذي كان يتحدّثُ عن العلاقاتِ الدّبلوماسيةِ، وفي سروالِهِ ثقب فاضح، ويتذكرُ نقاشات زبائنِهِ الخاوية، نقاشاتِهِم عن فلمٍ خاوٍ ذاع صيته، وعن مؤخرةٍ قيلَ إنّها استفزت أمة بكاملِها، وعن فتاتينِ أثارتا شهوةَ الصّائمين...
    ماسحُ الأحذيةِ، فيهِ العجوز، وفيهِ الشّاب، وفيه كذلك، الطّفل الصغير..
     للتواصل مع الكاتب على الفيسبوك، اضغط هنا : محمد بدازي

    إلى الأعلى