728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    همس تحت الرُّكام..~حميد أخازيز~



    ها هو الليل قد اشتد سوادُه، فأقبل يجرّ الناس إلى بيوتهم جرا، خرج هو من الحانة التي يرتادها يترنح، دخل إلى بيته فاقدا كعادته شهية الطعام.. جلس لوحده في ركن يغزل ظفائر همِّهِ التي غزاها شيب متمرد، يعقدها واحدةً واحدة، و ما يلبث يُتمم غزلها حتى يفكها ليعاود الكرة من جديد، لم يضع بجانبه فنجان قهوة يمضي به ليلته تلك، بل كان يرشف رشفات من نغمات موسيقى رافي شاختار، تبتلعها أذناه، فتصيبه تارة برعشات تصول و تجول في جسده النحيف من أعلاه إلى أسفله، و تارة تلف حول عنقه ألف مشنقة و مشنقة، كانت قطته البيضاء تلف من حوله، تلتصق به، تحتك بظهره، تقفز إلى حجره، تموء فيزيد مواؤها المشهد حزنا، و كأنها تحاول انتشاله من دوامة سرقته من نفسه و هوت به في مكان سحيق، أخذها و ضمها إلى صدره و همس في أذنها: ما أقسى وخز الضمير يا صغيرتي، ما أقسى وخزه عندما ينفرد بِي في سكون الليل أسمعُ دبيب الألم في كل نقطة من جسدي .. ليتك تعلمين كدري و ثقل همي... أنا الذي طردت زوجتي من البيت ظُلما بعدما عانت بسببي عذابا شديدا، المسكينة لم تلق مني غير السب و الشتم و شتى ألوان القسوة و التنكيل.. كم أحس بالحقد تجاه نفسي و أنا أتذكر ابتسامتها و حُنوها و صبرها رغم حياة الضنك التي كنت أهديها صباح مساء.. و أنا أعيد شريط الحياة إلى الوراء لم أتذكر موقفا كنت فيه طيّبا معها، بدءا من الوعود الكاذبة قبل الزواج إلى آخر صرخة صرختها في وجهها مطالبا إياها بالرحيل،آه نعم..ربما كان طلبي هذا لرحيلها أفضل ما قمت به، لأنني بذلك كنت قد خلّصتها من شخص حقير أفسد عليها عيش سنوات كانت ستعيشها رفقة شخص يستحق طيبتها، أما أبنائي يا قطتي.. (تنهّد بعمق).. أبنائي.. أنا الذي دفنتهم في غيابات النسيان بعدما قذفت بهم إلى أمواج بحر الحياة العاتية.. لا أعلم في أي اتجاه يسبحون.. أَ ماتوا أم أنهم علقوا في أوحال البؤس و التشرّد... لا أدري كيف لم أنتبه إلى كل ما اقترفته يداي، لقد كانت عيناي في غطاءٍ عن كل ما كنت أفعله، كيف أنني كنت أذبح أحلامي و أشنقها، و أصلب المتمردةَ منها على لوح اللامبالاة حتى تتفتت و تتلاشى.. كيف أنني كنت أغتالُنِي و أسحقُنِي بلا رحمة .. و اليوم و قد استفقت من غيبوبتي، أشعر بنزيف حاد في كل بقعة من كياني، أجدُني مجموعةَ أشلاءٍ ممزقة، بعد أن نهشتني أنيابُ حماقاتي، بُنياني انهارت عليّ، أصبحتُ مجرّد ركامٍ، مجرد غبارٍ تذروه الرياح.. لقد تحطم كل شيء، كل شيء.. و على أيّ، أشكر الحياة على عدلها، أشكرها على أن جعلتني أتألم مثلما كنت أجعل الآخرين يتألمون، فها أنذا أُجلَد كما كنت أَجلِد، أُصفَع كما كنت أَصفَع .. كان يحكي لقطته الصغيرة بحُرقة عن سنوات ضاعت بين الخداع و المكر و التلاعبات، حديثٌ تسيل منه عصارة حقارته و قذارته، ثم انتبه إلى أن قطته قد غطت في نوم عميق، أو لَرُبما تظاهرت بأنها نائمة لأن حديثه أشعرها بالغثيان، و من يدري !! .. أخذها ليضعها في المكان الذي تنام فيه كل ليلة، و هو يتمتم: نامي يا صغيرتي، نامي... أما أنا فمن أين لي أن أنام، هل ينام من إذا عرض نفسه على النوم أفزعه؟ هل ينام الذي كلما أغمض جفنه أطلَّ على شخص خبيثٍ بداخله؟

    حميد أخازيز  Akhaziz.hamid@gmail.com
    إلى الأعلى