إن الحرية مفهوم عميق ,يتغير من زمان إلى آخر,و من شخص إلى آخر, داخل إطار طبيعة الزمان و المكان, و الخلفية الاجتماعية و الايديولوجية و الطابوهات ,لكن يبقى أرقى أنواع الحرية و أوسعها مساحة على الاطلاق ,الحرية الربانية ,التي وهبنا الله اياها,فجعلنا أحرارا في تصرفاتنا و اعتقادنا و ضمائرنا و سرائرنا... والدليل على ذلك قول الله جل من قائل "فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر ",فهذه الآية الكريمة تبين لنا بجلاء, أن الله من علينا بالحرية المطلقة ,و في أهم المناطق,التي هي الاعتقاد و الضمير و السريرة ... و هذه آية أخرى تبلور ما ذكرناه "لا اكره في الدين ".
إن هذا الطرح لا يتناقض مع القدر ,فالله سبحانه و تعالى, يقدر لكل واحد حسب نيته و مكنونه ,فمن أراد الشر يسر له أسبابه, ومن أراد الخير دله على سبله ,و مصداقا لذلك قوله جل جلاله"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " .
اذن الله خلق الخلق ,و أعطاهم الحرية المطلقة في الاعتقاد و الضمير ..و هي مناطق لا يستطيع أن يتحكم فيها إلا صاحبها ,و بطريقة لا تناقض القدر ,مع أن في القرآن آيات تناقض هذا الطرح ,لكنه تناقض ظاهري ,و كما نعلم أن القرآن محكم لا خلل فيه,وبناءا عليها (الحرية)سوف يحاسب الإنسان يوم القيامة .
إن الحرية ضرورة لتطور الحياة و تقدمها ,فبدونها لا يمكن أن يوجد إبداع و لا جمال و لا تفكير ... الحرية هي أساس الإبداع و منبعه, و من لا يتمتع بها لا يستطيع أن يتذوق الجمال ,و هذا الصنف هو الذي وصفه شكسبير في واحدة من مسرحياته بالخطورة ,فكانت إحدى الشخصيات تقول :إحظر من هذا إنه خطير.
و تقول الأخرى :لماذا؟
فتجيب الأولى :لأنه لا يتذوق الجمال .
و الحرية أيضا هي الجمال ,بالنسبة للفيلسوف عباس محمود العقاد, أما الإما الغزالي رحمه الله, فقد قال "من لم يحركه الربيع و أزهاره و العود و أوتاره ,فهو فاسد المزاج ما له من علاج", و هذه العبارة تتطابق بشكل ما مع عبارة شكسبير .
أما الذي لا يقدر على أن يفكر بعقل حر ,و لا يقرأ بحرية, و لا يتجاوز العادات و التقاليد التي معظمها ضاحل,و لا يتعطى مع الدين بعمق و حرية .. فهو عبد ,رقيق ,و لا يعد من الأحياء أصلا .
المفكر الحر هو الذي يستطيع أن يتوصل إلى الحقائق, و لا يدع صوت يعلو فوق صوت الحرية .
إن هذا العصر الذي يدعون أنه عصر الحرية ,هو على العكس تماما ,فكل شخص يعيش فيه و يخضع لتأثيراته,عبد لأشياء معينة ,فمنهم من تستعبده شهوت,ه و منهم من تستعبده الدنيا و حب المال و الجاه و الشهرة ,و منهم من تستعبده أناه ,و منهم و منهم ...
مع العلم أنهم يذلون أنفسهم و يتمسحون كل بسيده ,باسم الحرية ,و كأنهم لا يعلمون أنهم هالكون و بأن الكون بأسره لا يسوي جناح باعوض ,و تجدهم يدعون العلم و الفلسفة و التقدم , وهم باتوا من أتفه و أحقر الحيوان على الإطلاق ,فكرهم متدني ,مضمحل ,و أخلاقهم سقيمه ,و عقلياتهم عواقر,و علمهم عقيم ,و يبررون تفاهتهم و بعثرتهم و انحطاطهم و تسفلهم ,تبريرات بلهاء ,رقيعة .
و منه فإن عصر التخلف و الرجعية و الإسفاف و الإنحطاط هو هذا الذي نعيشه ,بواقعه المتهالك و عقلياته القواصر,و عبيده الذين يظنون أنهم أحرار ,إلا من رحم ربك ,و مع أن استعباد البشر للبشر لم يعد موجودا في هذا الزمن,لكنه موجود في أشكال أخرى و بطرق مختلف و هي ما أسلفناه .
إن من أكثر المشكلات تعقيدا و استعصاءا في الفلسفة, مشكلة الجبر و الإختيار ,و بصيغة أخرى ,هل الإنسان مخير أم مسير ؟,فجاء القرآن الكريم بأنواره الربانية ,فأزال الغشاوة عن العقول ,و كشف الظلمة عن القلوب ,بآيات تضيء كالومض ,مبينا الاجابة بصريح العبارة ,أن الإنسان مخير في اعتقاده و نيته و ضميره و سريرته .
رفعت الأقلام و جفت الصحف و إنتهت الكلمات .
للتواصل مع الكاتب على الفيسبوك ، اضغط هنا : اسويدي سيدي محمد

