728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    البطاقة الوطنية ~ عبدالسلام بن الطالب ~

    " البطاقة الوطنية "

    صباح يتجدد, لا يختلف عن غيره بشيء, استيقظت باكرا, أو بالأحرى استيقظت رغما عن أنفي, تناولت فطوري دون أدنى شهية.. هيأت حقيبتي, دججتها بالأوراق اللازمة.. غادرت البيت في أمل اللحاق بوسيلة نقل مريحة تقلني إلى حيث أريد.
    نساء جيراننا ينتظرنني في الخارج, فضمة تريد علبة ملح, زينب تريد لحما, وعائشة لا تريد شيئا.. في انتظار “الخطاف” جلسنا نحن معشر الرجال, نتبادل أطراف الحديث،  مرة في السياسة, مرة في الاقتصاد.. وبينما نحن في تحليل لإحدى المباريات الكروية, يقاطعنا “ميسي” بسيارته المتهالكة, يتجه صوبنا, يقف بسيارته, كبيرنا ينادي عليه: “وتعطلتي اليوما اميسي”.. ميسي يستشيط غضبا ويردف: “أنا مسميتيش ميسي, أنا سميتي العربي العربي. اقتربت منه قائلا: “ما تقلقش اصاحبي اليوما عطا الله البلايص”, يرد بابتسامة مغتصبة: “ايوا على هاد الحساب نولي حتى رولاندو”.. ميسي, عفوا, العربي, يسجل أول أهدافه هذا الصباح،  وينطلق بنا إلى السوق الأسبوعي.
    وصلنا والحمد لله إلى السوق سالمين, نظرت إلى ساعتي فوجدتها في منتصف الثامنة صباحا, اتجهت نحو إدارة القيادة, طابور من البشر نساء ورجال ينتظرون, صنعت لنفسي مكانا بينهما أنتظر دوري, بينما نحن كذلك, شخصان من الطابور يتعاركان فيتعطل الصف, انتهزت الفرصة ودخلت, موظف وحيد يجلس على كرسي خشبي, يترقب ساعته, على جوانب مكتبه الحديدي الفارغ تظهر ملصقات مكتوب عليها “وياك من الرشوة”, أعطيته وثائقي, فحصها, كانت كاملة لا ينقصها شيء لكنه أصر على أن شيئا ما ينقصها, فكرت مليا في حال هذا الموظف البسيط, ففهمت أمره, أخرجت ورقة من جيبي, تبدو مختلفة تماما عن تلك التي أعطيته, حمراء اللون, صغيرة الحجم.. أمددته إياها, فتبسم قائلا: “الوراق ديالك دابا ناضيين أسي عبد السلام”.. تأملته بعينين ذاهلتين ولسان حالي يقول “سبحان الخالق”.. خرج من مكتبه, وما هي إلا لحظات قليلة, وهو يعود مصحوبا بوثائقي موقعة من طرف القائد, أخذتها منه, شكرته وشكرني, وغادرت.
    في السوق محطة صغيرة لسيارات الأجرة, عمرت فيها طويلا أنتظر إحداهن, انتظرنا كثيرا ولا وسيلة نقل تذكر, بقيت المحطة مقفرة حتى منتصف النهار, ما إن وصلت أولاهن حتى اندفعنا إليها, حصلت على مكاني فيها وانطلقنا, السائق لم يكن كبقية زملائه, كان صامتا معظم الطريق.. والبقية من الراكبين كانت ناعسة وصلنا بعد ساعتين من السير إلى مركز المدينة, ترجلت الى إدارة الشرطة مسرعا وأنا أتضور جـوعا, صعدت السلم في إعياء وأنا أعد الدرجات, وحين وصلت إلى مكتب البطاقة الوطنية وجدت أن الدرجات لا تزال أربعين, ولجت مكتب الضابط المكلف بالبصمات, كان ينظر إلي وكأنه يعرفني, انتابني شعور من الخوف تجاهه, سلمته شهادة السكنى, عقد ازدياد, وصورتين شمسيتين.. وكل الوثائق, أخذها وفحصها, كانت كاملة لا ينقصها شيء, وضعها فوق مكتبه, ونهض, أمسك بيدي لإكمال الإجراءات, نظر إليها, فأردف قائلا: “منقدروش نديرو البصمات بهاد اليدين”, حاولت معه مرارا وتكرار
    ا أن يدي صالحتان, أخبرته أني لم أعد أعمل بناء, أقسمت له, لكنه رفض وطردني, خرجت من مكتبه متحسرا على وطنيتي وأنا أصرخ: أنا مغربي أنا مغربي.. رجعت إلى قريتي بعد يوم متعب في انتظار وطن يعترف بيديَّ.


    للتواصل مع الكاتب على الفيسبوك، اضغط هنا : عبد السلام بن طالب
    إلى الأعلى