728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    يا ولدي، يا مستقبل ( رسالة الى ولدي - ابني- )~ موحى العناني ~


    يا ولدي، يا مستقبل ( رسالة الى ولدي - ابني- )

    سمعتك أمس في الغرفة الأخرى تسأل أمك: أأنا أمازيغي أيضا؟ وحين قالت لك: نعم، خيّم صمت ثقيل في البيت كله، كأن شيئا كان معلقاً فوق رؤوسنا فسقط، وانفجر دويّه، ثم صمت.
    وبعدها: لم أصدق أذني، ولكنني صدقت أصابعي. كنت أقرأ حين رأيت الكتاب يرتجف بين يديّ. لا. لقد كان كل شيء حقيقياً إلى درجة مروّعة: سمعتك تبكي.
    ولم أستطع أن أتزحزح. كان ثمة شيء أكبر من إدراكي يولد في الغرفة الأخرى، عبر نشيجك الغامض، كأن مبضعاً مباركاً يشق صدرك ويضع فيه القلب الذي لك.
    وكان سؤالك ما يزال يدور في السقف ويرتد إلى أصابعي ارتجافاً: << أأنا أمازيغي أيضاً؟ >> ثم يهوي المبضع بتلك الحركة الخاطفة النظيفة التي يضربها جراح ماهر: <<نعم>>. ويخيّم الصمت على البيت، كأن شيئاً وقع، ثم أسمع صوتك ... يتكرر على مسامعي، تردده الجدران، ويقتلع من ذلك الألم الذي يخالجني منذ أمد بعيد، ويتردد الي أيضا ذاك السؤال الأبدي الذي طرحه جدك بالبندقية وبوشفر والساعية:" هل أنا أمازيغي؟" تم يكون السؤال كبقعة أرضية للإرث، تخالجنا نفس الشعور، ويزحزح عنٌ الإيمان بالبعيد والتمعن في ماهية الإيمان بالقريب، الإيمان بالروح والجسد وعبقرية الارض، يا ولـــــدي :" لــزالت تطرح نفس السؤال، وعلى يقين أنك وما ستزال تكرر السؤال، من سيجيب عنه، وعنك ومن سيجيب يا ترى ؟؟ من سيعلمك كيف تجيب عنه، فقد تأكلك الذئاب، وقد يقتلك الزمن، أو قد يركلك المجتمع، لان الإيمان بالوجود والبحث عن الوجود مازال شيئــا خرافيا، مازال عادة سرية، تتغلغل الى الاعماق، لتباشر قمع فكرة البحث عن وجودية الوجود، يا ولدي، أمك لن تنال منها الجواب، ليس طبعا لقصور معرفتها، أو لانها ناقصة عقل أو أنها عورة الفكر والعقل، بل هذا الشعور ينتالنا الاثنين، لاننا ابناء جيل أخر، ذاك الجيل الذي ستحمل له المسؤولية كما نجملها اليوم لأولئك الذين تهاونوا وتقصروا – تقصير- في ابلاغنا باعماق التاريخ القريب منهم والبعيد عن، والبعيد عنهم أكثر من، وعلى يقين أن تلك الجدران التي تردد على مسامعها :" هل أنا أمازيغي؟" لن تجيبك، رغم أحتضانها لحضارة ضاربة في العمق، وتحمل على عاتقها الكثير من الالم والحسرة ومشقة البناء القديم، والشكل المعماري الامازيغي العميق، لن تستطيع أن تحميك من الغريب، ولا من تلك الزلازل التي تهددها كل مرة، وهي توشك على السقوط ... يا ولدي:" لتعيد تلاوة صلاتك الامازيغية، وتركع وتسجد وتقيمها على اساسها، ولا تخجل أو تفشل أو تتردد أو تستسلم ... فكل هذه الصفات تنخر أجسادنا اليوم ... وصيتي لك أن تقمعها، وتتمرد عليها، وتقتلها قبل أن تصبح جسما غريبا أو ورما خطيرا ...
    هل أعلمك يا ولدي ما تعلمته من أمازيغتي، أم أعلمك ما فعله جيلي بالامازيغية، أأتركك لكلاب العروبة المسعورة أم للامازيغية التي خانوها، أأتركك لمكر التاريخ، أم أعلمك أو أتركك للمدرسة التي تعلمك أن التاريخ مرً من هنا، وأنُ جدك كان يسكن الكهوف والجبال، من سيعلمك، ومن سيرشدك الى الأمازيغية الصافية الصادقة إنسانها، والفاعلة بقيمها وحججها، لمن أتركك إذن؟
    يا ولدي، ما الحقيقة التي تركتها تنمو في أحشائك، وبساط أرضك، ونغمات أقوالك وملابسك، قيمك، وتقاليدك... وما الحقيقة التي أملكها لأتركها لك صافية معافاة من كل الأورام، أخاف أن تنمو فيك الحسرة، وتترك العقيدة، وتنزل بك المهانة الى لعس حداء الوهابية والارتزاقية، وتتحول إلى شظايا وأجزاء غير صالحة لأي شيء سوى العبودية، ولدي لقد إشتد بي الالم، والحسرة، ووصايا لم تكن كتلك الوصايا التي تركوها أجدادك، وقوتي لم تكن كالقوة التي ناضل بها أجدادك، والصرامة والبحث عن الحرية شيء رهيب عجيب ... سيسري بنا العمر ويسير، ولن أترك لك الا تلك الكلمات التي دونتها في صفحة إنسانيتك، وضميرك وهويتك... قد يتذكرها التاريخ، وقد تتذكرها أنت وقد تنساني وينساني التاريخ، أخاف من هذا العقاب، وأخاف أن ينالك هذا العقاب، وأخاف أن تشوه التاريخ وتنتقم منك الجغرافية، ويحتضنك التوهيب (الوهابية) والتشييع (الشيعية أو الشيوعية أو الشعوبية) والتسنين ... تلك المذاهب التي لا تخالف الشرع ولكن تستغل الشرع، أخاف أن تنجرف بك الحافة ويغمسك المد العروبي، فتنصهر وتولي وجهك المشرق فتصبح أصما أو محتجزا، أو مختطفــا أو حتى مغتالا في غابة ... ولن أكون حاضرا حتى لتشنيع جنازتك والصلاة على جثثك وأقبل جبهتك وأعلن لك في أذنك، لاجيب عن ذلك السؤال الذي ما فتئ يجعلنا غارقين مغرورين في الوهم الى الصباح الباكر :" أنت حقا أمازيغي." لكن حينها فات الأوان.
    يا ولدي، لا تجعل سيوف الغدر قريبة من عنقك، ولا تبسط يدك لتقطع من المرفق، ولا تدمر حضارة تريد تدمير حضارتك، فقط ابني كما فشلنا في البناء، أهرام أمازيغية، وناطحات أمازيغية، وأكتب عن أمازيغيتك، وأركع لعلمك، وأرفعه عاليا على أعلى القمم والمؤسسات والإدارات التي شردتني وشردت وطنيتي، وإنسانيتي ...
    يا ولدي، قد أكثرت عليك معاني الحياة، كما لم أعرفها قبلا، ولم تشردني لأشردك، فما معناها إن لم أعلمك كيف تواجهها وأنا حي، وكيف ستواجهها وأنا ميت، وبيدك ستواري علي التراب، وتحدد على قبري جهة الشمال وجهة الجنوب.
    يا ولدي، يا مستقبل أمازيغتنا كما هو مستقبل الأحفاد، ومستقبل كل أبناء أبناء وطني، كن وطنيا ولا تصنع ولا تدافع عن وطنية عرجاء أو بلهاء أو نكراء لوطنيتك، ولا تتبجح بوطنية من قتل وطنية أجدادك ودمروها كما دمروا مستقبلنا وحياتنا ومعاشنا، وتدخلوا في أعماق مكنوناتنا، وتحكموا في أحاسيسنا ومشاعرنا اتجاه الحياة وحتى في كيفية استقبال الموت.
    يا ولدي أتركك، لترى بنفسك كل شيء...




     للتواصل مع الكاتب على الفيسبوك، اضغط هنا : موحا العناني






    إلى الأعلى