728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    لمكو... جبل مفتض لبكارة غيم الإلهام~ سعيد تيركيت ~


    لمكو... جبل مفتض لبكارة غيم الإلهام

    كلما ضاقت نفسي من جبروت اسمنت المدن، وصراخ مستوطنيها. أشد الرحال إلى جبل "لمكو" بمدينة ايمنتانوت... لزهد قل نظيره  واعتكاف إجباري. منفى اختياري لترويض نفس أمارة بالسهو والنسيان والشهوات...

    ترغمني نفسي - التي هي حق علي- برحلات مكوكية طوال فصول السنة. كلما استطاع جيبي توفير ثمن رحلة إلى فجاج طبيعية بتول. أهيأ ما تيسر من ملابس داخل حقيبة رياضية... ثم أحمل ظلي....
    أستعجل السفر. وأكون حريصا أشد الحرص ليصادف يوم الاثنين. يوم السوق الأسبوعي للمدينة... هناك ألتقي بالعم "الربوح" وبغلته البـُراق الصابرة المكتسحة لغياهب الجبل...
    العم الربوح: كهل صلب البينة رغم نحالته الضامرة، ربعة، يداه رغم قوتهما اكتسحتهم تجاعيد السينين. تقرأ على كفيه خطوط الحنان والصبر المثابر في غفلة من هذا الزمان. يلبس قشّابته من نسيج الصوف الداكن، يضع عليها جلبابا من نفس اللون، واسع بال، فقد عزه، بدون أكمام. يلف على خصره حزام صوف أسود مفتول، يشده مرتين، جعلت الجلباب ينحصر مسترسلا عند أعلى الرند، ويظهر أسفله ساقان قويتان مشققتان قدمهما متخشبتان... ثم عمامة على رأسه الأصلع، بدا منها وجهه طويلا. وجه غزته التجاعيد وحفرته، وصبغته سيرة خفيفة بحكم دوام انشغاله تحت قيظ الشمس. عينان بنظارتين زجاجهما بحجم قاع كأس، مثبتة بسلك نحاسي. أنف أفطس، ينفتح تحت فم هديل تساقطت أسنانه، اللهم من نابين أماميين بارزين تدججهما صفرة داكنة...
    بعد السلام، وأكل وجبة فطور -تحت خيمة افتقدت اللون، وذباب يرحب بالمتسوقين- غالبا ما تتكون من كؤوس شاي وعلبة سردين مغربية بعلامة أجنبية... نقتني لزوميات عيش أسبوع، مع الإكثار من علب السجائر، وللسخرية فقيمتها عشرون مرة أغلى مما نأكل...
    أمتطي البغلة البـُراق متوجها للمنزل في أعلى الجبل، بينما هو يتمتع ببقية عطلة في المدينة، تحت ضربات قضبان الشمس الحارة...
    على مشارف ايمنتانوت، بعد ثلاث ساعات من الجري والمشي. قرية "تاغناشت" المنسية المتدلية من رحم الجبل. أوقفت بغلتي عن الركض، حتى تكلأ وتستريح قرب واد أجرد وسيع. جلست إلى جذع شجرة زيتون، عمرت كثيرا. باتت شاهدة على تاريخ المكان -أضحت منارة التائهين- أراقب غروب شمس، آل قرصها المعدني النحاسي يتوارى خلف جبال داكنة الصفرة. أنظر حالي ومآلي. لو قدرتُ أغيرُ عني من يرويني ويحكيني لما توانيت. وحده الصوت الذي عمدت سماعه في لحظات ما من حياتي، انبعث هذه المرة مخاطبا.
    قال: الحال كما ترى يا هذا... حمل خفيف وبغل ملوكي مطاوع مريع، وأنت تنجز وعد اللحاق بالركب الأدبي والراحة النفسية...
    بعد أن اجتزت المدينة وضوضاءها، سلكت دروبا ملتوية وأخرى سوية طويلة، أفضت بي إلى الأرض مهملة فسيحة، تعمرها النباتات الطفيلية والصبار والأشجار السائبة.
    لما قطعتها كنت أمام باب منزل واطئ. ذي حجر أصفر ورمادي، كأنه مستمد من الجبل المطل عليه، فشبهته وأنا أشرعُ بابه من دون مفتاح، بكهف مهيب، يصلح للتعبد والخلوة... لا للسكن والمبيت. تأكد لي تشبيهي وأنا أطلع في حجرته على افتقارها إلى أي فراش وأثاث. اللهم إلا من قطائف وأغطية وكتب وشموع على مائدة واطئة وخابية ماء...
    قسمات منزل تشي ببوادر القناعة والكفاف المشوبة بالرضا والاعتزاز... احتميت به من القيظ والقر...
    إقتعدت الأرض على قطيفة حنبل من الصوف الملون حول سلة التين...
    انتبهت فإذا الطقس يبرد والليل يزحف...
    بعد رجوعه سالكا ممرات مختصرة، هو الخبير والأعلم المتمرس بها...دعاني لمقاسمة الجماعة عشاءهم، فكرت في التعلل بعادتي في مبيتي على الطوى، لكني تذكرت أنها فكرة ستعكر مزاجه وهو الفرح بقدوم الضيوف لديه، فيشكل عرسا في قلبه وخاصة من ابن أخيه في المدينة...
    حين أتى بالمائدة معدُّها، ووسطها في الغرفة، بيني وبينه، كان ضوء القنديل المتوهج يطلعني على طاجين ترقد فيه قطع قديد لحم بين جلطات بيض مفقوس وبعض التوابل والكل مغموس في مرقة ذات زيت معتبرة وأفاويه طيبة. يحيط بالأكلة خبز ساخن من أفارنو، وزبدة بلدية مع سمن محليان الصنع، وصحن عسل طبيعي وتمر وأكواب الشاي واللبن تعتبر فاتحة ومقدمة شهية إجبارية...
    عرض عليّ الإفتتاح داعيا لي بنزول القوت في معدتي منزل بركة وتيسير. بسملت مثله وشرعت آكل من الطاجين ما طاب، وأنا أنوِّه بمبدعه وطاهيه...
    كان جليسي أقل مني إقداما على اللقمات، لاسيما وأنه شغل فمه بالكلام عن أحوال المعارف، أنسته التلذذ بما جادت به مائدة الرحمان...
    بعد شرب أكواب الشاي، طلبت الإستراحة من عناء السفر، فكان لي ذلك في غرفة صغيرة مجاورة...
    رافقني العم المضيف إلى حجرة أخرى تحت نور قنديل، ونعت لي لحافي وبابا خلفيا. قال إنه يفضي إلى زريبة فيها بقرة حلوب وحيوانات أليفة ودواجن وشجيرات غلال ورياحين... بعد أن شكرته انسحب. حتى أخلو إلى نفسي وأراود نوما ما أحوجني إليه...
    في الفجر استيقظت مع صياح الديك، قمت واغتسلت. لم يكن لمضيفي في المنزل حس أو أثر. جلست أفكر في شؤون شتى، يتصدرها شأن زوجتي التي أحن إليها، وشأن أماني اليومية... نفسي ميالة لرحلة إلى قمة الجبل، وأنا الذي لم يمضي على وصولي به سوى وقت وجيز... لأنعم بالمكان في هذا الزمان البخيل بمن يستأهل الإعجاب والتبجيل.
    ظللت على تلك الحال إلى أن بزغ الصبح. خرجت إلى الزريبة، فإذا هي بقعة فلاحية تتاخم سفح جبل مهيب. يغمرها ما ذكره العم لماما واطلعت عليه بالتفصيل، فيها كلب وقطط تهش لي وتبش. ذهب التفقد بي إلى أن اكتشفت وراء كدية مرحاضا في الهواء الطلق، أحوجني إليه ما أكلته بالأمس من سردين وطواجين وحليب شاة ولبن معز...
    ثم صعدت الجبل من مسلك معلّم تحف به غروس شتى وأشجار لوز وزيتون وخروب... تضج فيها العصافير والصراصير والسناجب البرية... وأثناء ارتقائي إلتقيت نسوة وأطفال قرب بئر يتزودون بماء زلل صاف بارد...
    صباح في ضيعة جبل بعيدا عن الغاشي... صباح أبحث فيه عن خلوة نفس وعقل... 
    تنسمت واسعا أريج النباتات والغلال حولي... بقول ورياحين تفرش بـُقيعات مخصوصة وتوشيها... اليقظين والبطيخ هنا... الفاصوليا والخيار هناك... الباذنجال والطماطم تقدم الولاء... يا أ الله على الورد والأطياب... أنظر الآسن والنسرين والياسمين... باقات كلها، تفتن الشم والعين وكل الحواس...
    من هواء جبل "لمكو" تنفست واسعا، متلمسا تقوية نفسي، والعمل على كتابة ما أعلم في باب رباطة الجأش وحفظ الهمة...
    في مكان يلجه بياض اليوم ولا تشوب صمته شائبة، يطيب للنفس أن تغطس في عالمها الجوّاني وتسيح...
    جلست قريبا تحت شجرة عزلاء مورقة، أستظل بها وأجالس الفكرة... علّني أصيـّر قوامها نورا صاعدا يضفي ويجدي...
    في هذا العالم أنا الموجود الموحد، المعاين المجرب، لي أدوار ومنازل مفتاحها مقامي الراهن الذكري ما وسعني منها وظهر...
    حيائي أمام عيني بالصور والآثار تغلي وتمور، تحيلني إلى حقب وأمكنة، أحداث ووجوه، خيوط متناسلة متجانسة، لعلها لحمة ما كنت وصرت إليه... في تذكري واستغواري...
    أتخيل نفسي بازا محلقا بجناحيه الخافقين حينا والمنشورين أحيانا، والريح من تحته يوجهها كيفما ظهر له وجلا. إذا انساق إلى السكنى والتملي: فلا يقبل عن الأعالي الشامخات بدلا، وإذا بدا له شأن في الواطئات وارتجاه، فلا عين مثل عينه للسعي إليه وينله...
    أستسلم للبوح في رؤاي المنامية أو اليقظية، وفي لـَجـُـِج الذكريات المتزاحمة المتضاغطة تارة والهادئة المتأنية طورا، بعضها يصعد من نسي منسيِّ. فيلمع من ذهني برقا خُـلـَّـبًا، ثم يختفي منطفئا في قرار سحيق. وكيف لي أن أضبط ذكرياتي وأدونها، واليد مشلولة والجسم كله واهن عيان، والعقل سابح في بركة نبيد حلم معتق...
    كنت كذاك الباز المجنح أسرح وأمرح بالذهن في الجو، أو أقف عاليا موقف التدبير والنظر والمقصد، قليل الحركة والكم. أفكر أثناء انتباهي وشرودي في فيض المعاني وضيق العبارات، كما في مأساة التجاهل والتنابذ وعسر الوصال بين الخلائق. من يراني منطويا على نفسي تائه الذهن، ساهيا عما حولي، فلا أقل من أن يظنني مكلوما من شدة إفلاس أو يأس؛ وحقيقتي، على خلاف ذلك، أني بكياني كله ومهارتي منجذب إلى جلائل الأمور جهامها ومشرئب المحيط بكونه ما ظهر منه وما بطن... والذي بالتجوهر الإستناري والمساعي الحميدة أكدح إليه وأتقرب...
    كان ضوء النهار ينبع خلال أوراق الشجر، مستعيرا لونها الأخضر، فينعكس على العشب القصير الذي يئن في رفق تحت قدمي... ولا تلبث الشمس أن تجنح إلى المغيب، فتحمر السماء، وتبدو جذوع الأشجار النامية بانتظام في خط مستقيم، كأنها أعمدة قائمة على صفحة من الذهب...
    صرير الريح التي هبت فجأة وتقاذفت تلك الأوراق الذابلة للأشجار، ارتفعت بالجاف منها لأعلى؛ تسحبه مع ذرات التراب دوامة بين الأرض والسماء؛ ترتفع... وترتفع... وترتفع... وكأني بها تنأى بروحي إلى حيث لا أعلم...
    تجاوزت شعور المهانة... بدأت أتنفس الحياة من شذا مزج ألوان الحروف... وأراها من خلال تعبيري على وجه بياض ورق روحي ونفسيتي السعيدة. لأجسد ما أشعر به وما أريد أن يشعر به الآخرون...
    ساح ذهني وتاه... فاستولى عليَّ نوم قاهر لم أتخلص من حلقاته الغامضة المرتجة إلا بعد مدة صعـُبَ عليَّ تقديرها...
    تطهرت من أدران أحزاني وغيرت لباس اليأس بحرير الأماني، ثم رجعت إلى المدينة وصخبها المعتاد... بعد مقام طيب الحلول، أجدد الموعد مع الجبل... لحين..
    فالحياة... حقل بكر غير محروث. حقل للتاريخ وواقعاته وعقده وتقلباته... لن أتنازل عن حقي الإنساني في العيش بزهد كفيف... حتى لو كلفني ميتة زاني في مزبلة التاريخ...

    للتواصل مع الكاتب على الفيسبوك،اضغط هنا : سعيد تيركيت
    الخميسات - المغرب- 04 / 06 / 2015





    إلى الأعلى