النظرة الأولى .. حقيقة أم وهم
" أحببتك من النظرة
الأولى " .. " منذ أن رأيتك لأول مرة علمت أنك الحب الذي أبحث عنه
" .. هي عبارات ألفنا أن نسمعها من رجال و نساء أغرموا من النظرة الأولى ..
أو كما هم يعتقدون. عبارات شنف بها المغنون أسماعنا و تفنن الممثلون في تجسيدها ..
لكن هل يوجد حقا حب من النظرة الأولى ؟
فلنمعن
النظر بعض الشيء ولنفكر قليلا .. لماذا نحب شخصا ما و ما هي أسباب هذا الحب ؟ إن
وجهت هذا السؤال لأحد من أتباع " النظرة الأولى " فلن يجيبك بشكل واضح
ولن تسمع منه فكرة منطقية واحدة. كل ما سيقول أنها أمور تحصل هكذا صدفة. و حتى لا
تناقشه فهو يضيف بأنها من الأشياء المقدر لها أن تقع و إن شككت فيها فإنك بالتالي
تشكك في القدر.
لن
نناقش مسألة القدر فهو أمر محتوم لا ريب فيه. وهو في علم الله وحده عز و جل. و حيث أنه
هناك من سيرفض المنطق أثناء التحدث عن المشاعر كونها شيء يحس و لا يعقل . إذن
فلنبتعد قليلا عن المنطق و لنفكر بأن الحب إحساس مجرد و لا عقلاني يضع الإنسان في
حالة من التوهان عاطفة و فكرا يحمله في ثناياه بحثا عن شط ليداعب أحاسيسه و و إلخ من التعريفات التي اعتدنا سماعها و
قراءتها. هاته التعاريف تظهر أن للحب مكانة راقية إن لم تكن الأرقى في سلم
المشاعر. وخير دليل على ذلك اهتمام الله عز وجل بهذا الإحساس النبيل في كتابه
العزيز إذ ذكر لفظ "الحب" في القرآن الكريم 76 مرة. لكن .. كيف لشيء بهذه الأهمية أن يتركه الله عز و جل عرضة للصدفة والعبث.
إن ما يميزنا عن الكائنات
الأخرى هو تركيبتنا الممزوجة بالعقل و الأحاسيس.
شعورنا بوجودنا و بالآخرين .. إدراكنا العقلي و تمييزنا لما هو صحيح وما هو
خاطئ. لذا فلا يحق لنا أن نجرد تعاملنا مع
محيطنا و نخصه بأحد المفاهيم و نغض الطرف عن الآخر، فقط لأننا لم نستطع استيعابه و
فهمه. لم يخلق الله تعالى الكون هكذا من دون سبب، كل في حكمة يعلمها وحده و علينا
نحن أن نسخر ما وهبنا إياه من مؤهلات لندركها. وكون الحب شيء أوجده الله تعالى لنا
فالواجب أن ننظر له نظرة شمولية ما بين المحسوس و المنطق، و أن نبحث فيه بطريقة واقعية
و مفهومة.
وعودة للسؤال السابق أتذكر
ما قاله أجدادنا و آباؤنا .. "الحب كيجي مع الزواج و العشرة". إذا ما
ذكرت هذه العبارة فما سيعقبها تعليق أن صاحبها ذو فكر قديم و مهترئ. فقد امتلأ دماغنا
بما تعودنا عليه في الأفلام و الروايات و نسينا أن ما نطق به أجدادنا هو عصارة
خبرة و حكمة لما تلقوه من واقع حي بعيد عن عالم المثاليات التي تطبع جل الافلام و
الروايات.
عندما نحب شخصا ما فنحن
نحبه لصفة فيه .. أخلاقه .. مبادئه .. تلقائية تعامله .. أشياء لا نستطيع التعرف
عليها من الوهلة الأولى أو النظرة الأولى. بل نحتاج مدة طويلة شهورا و أحيانا
سنينا حتى ندرك حقيقتها. فما يظهر لنا اليوم حميد قد نكتشف غدا ذمه و العكس كذلك.
إن ما يظهر لنا حبا من النظرة الأولى ما هو إلا وهم سببه إعجاب شديد بما يظهر من
الشخص الآخر .. جماله .. هندامه .. وغيره من الصفات الظاهرة. فتخدعنا حواسنا و عواطفنا لتوهم لنا أنه الشخص
المنتظر و أن ما نشعر به هو حب خالص ينبع من قلب عاشق. لكن الحب أسمى من أن يكترث
لأشياء سطحية .. قشرة مزينة من الخارج الله وحده
يعلم ما يضمره باطنها.
و قد يكون ما نعيشه اليوم
من تفكك أسري و ازدياد نسب الطلاق، أكبر دليل على ما آل إليه الحال في مؤسسة
الزواج .. من تسرع في الحكم و الإقتداء الأعور بما نسمعه و نراه عن الحب .. تسرع
يدفع ثمنه غاليا أطفال يعيشون حرمة دفئ الأسرة و الاستقرار.
" العشرة كتبين
النحاس من النقرة " .. هكذا كان العرف بين أجدادنا .. هكذا استمروا في
علاقاتهم المبنية على مفاهيم عميقة لمعاني الحب و الإخاء .. هكذا غلب منطق و حكمة
الكبار تسرع و رعونة الشباب.
لنخلص في الأخير .. أن
النظرة الأولى هي حقيقة في حدوثها .. لكنها وهم فيما نفسره نحن من معانيها.
اضغط على الإسم للتواصل مع الكاتب على الفيسبوك :
24 – 02 – 2014
22 : 55

