في حديقة البيت تربعت كالعروس في أوج زينتها، تزهر لي كل صباح. أنهض بكسلي المعتاد، وقبل أي شيئ أعرج عليها، حتى قبل أن أتبول بولة الصباح اللذيذة والطويلة الطويلة. أشذب أغصانها الخفيفة الشائكة، أحفر بأصابعي قرب جذعها، أُزيل العشب الذي ينبت بدون إذنها، والذي يتربص ويتحرش بها بالليل والنهار، وكعاشق غيور على محبوبته، أنهشه بعنف وأرميه جانبا عقابا له ورفقا بها.
أشم أزهارها فتبتسم في وجهي...وتحمرّ خجلا!
دائماً كنت أجلس بالقرب منها، على الحائط الصغير الذي يفصلها عن الممر الضيق الذي يفصل الحديقة إلى نصفين. ألبس بالقرب منها جواربي المثقوبة وحدائي البروتكان، فتلامس أغصانها ذراعي بحنان ومودة وكأنها تساعدني على نعل حذائي العسكري اللعين الذي كان يدمي أصابع قدمي نتيجة الإحتكاك المفرط. خصوصا عندما داق علي بعد طول سنين، الحذاء المضاد للزمن، الذي لا يطرأ على محياه القبيح أي تغيير بالرغم من مرور الأعوام. دائماً هو هو، دهرِيٌ لا يموت. كان يقف سدا منيعا أمام قدماي، يحجبهما كي لا تكبرا حتى وإن كلف ذلك إعوجاج رهيب لأصابعي أو إلتهاب وتقرح مزمن في الكعب.
وفي كل يوم أسقيها ماءا عدبا أستقدمه خصيصا لها من دون النباتات الأخرى التي تملأ المكان.
ثم أشم أزهارها فتبتسم في وجهي...وتحمرّ خجلا.
حزنَتْ وحزنْتُ كثيرا عندما هاجرتُ مرغما وتركتها وحيدة في المكان. كم كنا نفرح، أنا وهي، عند زياراتي القصيرة والمتقطعة. أشم رائحة ورودها بكل نهم وهي تقهقه فرحا وتتفرسني بعيون دامعة. كنا نلهو ونرقص معا. آه...كم كانت تجيد الرقص، تتمايل أغصانها الناعمة الشائكة وتتماوج مع نسيم الصباح بثقة وليونة راقصة باليه، تتشابك أغصاننا في رقصة "السلُوْ" ونرقص طول الويكاند حتى نشعر بالعياء اللذيذ.
ثم يخيم علينا قلق الفراق وعذابه، فلا أتجرأ على نعل جواربي وحدائي بالقرب منها خوفا عليها من دموعي...
وبكل جُبن أهرب من الباب الخلفي خوفا من أغصانها الشائكة ومن رائحة ورودها المفتحة...الجارحة.
فلا أشم رائحتها ولا تبتسم في وجهي...ولا تحمر خجلا!
إستغل العشب غيابي/انشغالي عنها، فاقتحم عوالمها وأحاطها من كل جانب بعد طول تربص وتلوى، بخبث دئب مع فريسة، على أغصانها الغضّة وصار يمتصها بشكل علني وسافر. وفي تواطؤ مضمر، تصلبت الأرض حول جذورها الهشة وحالت دون مرور الغذاء. لم تعد ترتوي بالماء الزلال الغني بالأملاح المعدنية. وسقط الحائط الصغير فلم تجد من يحجب عنها الأذى كل الأذى.
ذبلت في بادئ الأمر واصفرّ عودها، لم تعد تتفتح أزهارها. بعدها بوقت قصير أسقطت أوراقها إحتجاجا أو كمدًا...ثم ماتت!
وفي مكانها، بكل بشاعة نما سور من الإسمنت وضيع ولقيط، وبكبرياء وتعجرف امتد عاليا في السماء.
فحجب عني الرؤية والرائحة...والذكرى.
وعوَّضها بالغصّة والدمعة الحارقة.
