لمحـاتٌ من أصول الفكر !
إنَّ التّحَضُّرَ و التّدَيُّنَ في مجتمعاتنا العربيّة -رعـاهـا الله- اقتصرَا على المظهر و أصبحَا يتمحوران في الشّكل ، فإذا أردتَ أن تكونَ مُتحضّراً في بلدي يكفي أن تُغيّر مِشيتكـَ و تسريحةَ شعركـَ و أن ترتديَ أرقى الثّيـابِ مُتطيّباً بعطرٍ بـاريسيٍّ يُدَغْدِغُ الأنوف...و تصبح لحظتئذٍ المتحضّر المتقدّم الذي يُشـارُ إليه بالبنـان و مـا عَـدَاكَـ رِجعيٌّ مُتخلّفٌ ظلاميٌّ. أمّـا إذا أردتَ أن تُسمّى مُتديّناً يكفي أن تُقصّّرَ قَميصاً و تُرخيَ لِحيةً و تَمتَِشقَ مِسْوَاكاً حينها أنت التّقِيُّ السُّنِّيُّ الوَرِعُ و غيركَـ ضـالٌّ مُبتدعٌ... و في كلتا الحالتين يبقى القلبُ و الـرُّوحُ فـي وطني شيئين وهمين لا وجودَ لهُما و لا حساب !
مـا لكم كيفَ تحكمُـون !؟
* * * * * * *
أنــاقةُ مظْهَرٍ لا أنــاقة فِكْرٍ !
مـاذا تنتظرُ من قـومٍ هـانَ عليهم شأنُ العلم حتى أصبحتِ الكُتُبُ مَلقيَّةٌ على حافَّةِ الطُّرق تدوسُها الأقدامُ و يتطاير عليها النَّقْعُ و فضلات الطّيور... بينما تجدهم يبجِّلُونَ الملابس و مسـاحيق التّجميل داخل البيترينات و يلمّعون الأحذية فتوضع على الرّفوف !
* * * * * * * *
متى سيرتقونَ بـفِـكْـرِهم الـنّـيّـر عن سفـاسفِ الأمورِ و يفقهونَ الحُـبَّ بمعنـاهُ الصحيح ؛ أي ذلك الإحسـاس الجميل النقيّ الطّـاهر النّـابع من سويداء الفـؤاد و ليس بمعنـاهُ الفـارغ العقيم الذي لا يتجاوزُ حُـدودَ خريطة جسمِ المرأة !
* * * * * * * * *
افهمـوا جيّداً أنّ المقصودَ بالزّواج هو التّعفّف و التّحصّن و تكثيرُ سواد الأمّة و ذلك مصداقاً لقوله ﷺ : " تزوّجوا الودودَ الولود " و ليس أن تقتنيََ امرأةً من أسواقِ النّخـاسة و تجعلها آلـةً للغسيل و الطّهي و أن تُدفنَ فيها ما بين فخذيكَ فقط !
* * * * * * *
كنتُ دائما أقول : إذا أردتَ أن تعرفَ مكانةَ و موقعَ أيّ دينٍ في قلوب أهله فانظر إلى تعظيمهم لمناسكه و مدى حرصهم على تطبيق أركانه و كذا ذودهم عن شعائره... لقوله تعالى : و من يُعظّم شعائر الله فإنّها من تقوى القلوب !
لكن لا يتأتّى هذا بالقول و التّنظير فقط فهاهيَ تلبياتُ الحُجّاجِ تملأ الأفق حتّى تكادُ حناجرهم تُعانق عَنان السّماء تضرّعاً و خضوعاً و خنوعاً و قلوبهم غارقة في وحل الدّنيا ، و هاهيَ صفوفُ المصلّين متراصّةٌ فيما بينها في المساجد لكن القلوبُ معوجّة ، و ها هو رمضان شهر (الأفلام) عذراً شهر الصّيام و القيام اليوم يستقبلهُ وطني بفنّ التّرقيع !
* * * * * * * * *
و كنّا نرى أُناساً بلا ذنوبٍ و لا عيوبٍ فتتبّعُـوا عورات إخوانهم فـابتلاهم الله من حيث لا يعلمون ، و قد جـاءَ في الأثر : من عيّرَ أخـاهُ بذنبٍ لن يمُتْ حتى يعمله !
و صحّ كذلك في الأثر : لا تُظهر الشّماتةَ بأخيكَـ فيعافيه الله و يبتليكَ !
فيا أيها النّـاس عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم و اتركُـوا الناس لرب الناس فهو أجدرُ بهم إن شاء جلّ و علا عذّبهم و إن شاء عفا و غفر !
* * * * * * * *
و إنّ عدم ضبط المفـاهيم و عدم التّأصيل للمصطلحات و التّقعيد لها و فهمهاَ فهماً قـاصراً خاطئاً هو مـا أدّى بنا إلى ما نحنُ فيه اليوم من تهـارجٍ و تعـايُرٍ و دمارٍ و تعصّبٍ و قتلٍ و تشريدٍ... إذ لو تحدّثَ كلُّ واحدٍ منّا في المجال الذي يُتقنهُ و في الميدان الذي يُحسنهُ و تركَ ما لا يعنيه لأولي التّخصّص لسادَ الهدوءُ أمـاكنَ كثيرةً و ما اختلفنا في الأصـول ابتداءً و لكنّكم قومٌ تستعجلـون !
. . . . . . . . . . . . . . . .
للتواصل مع الكاتب على الفيسبوك، اضغط هنا : محسن اعريوة
