التقى بها ، امرأة
طويلة سمراء اللون ، ترتدي حجابا عصريا ، لا بد أنها متزوجة ولها طفل أو طفلان ..
مشى معها بصمت بعد اعتذار طويل يفسر تأخره ،
أدخلته دروبا و أزقة ، خرج من زقاق فوجد أمامه دار كتب عليها " كتاب – دار
القرآن إقرأ " دقت الباب ففتحت لهما سيدة شمالية اللهجة ، أرشدته لمكان تغيير الملابس وهي تتأسف وتشرح
له ضيق منزلها .. البيت ممتلأ بأمهات شابات ، و هناك أيضا غرفة مليئة بأطفال تحيط بهم بالونات ، دخل عندهم
فوجدهم جالسون ينتظرون زيارته ، قدم لهم التحية و غادر مسرعا إلى غرفة أخرى أضيق
من الأولى ، لا بد وأنها غرفة المدير(ة) ، تجولت عينه في المكان بدقة ، طاولات جنب
الحائط ، مكتب مليء بأدوات المكتب ، في الحائط الأمامي شهادتين علقتا جنبا إلى جنب
، على اليمين شهادة تحمل صورة إحدى السيدات المتواجدات في المنزل .. قد تكون هي
المديرة ربما ، هكذا فكر..
نزع محفظته من على
ظهره ، أنزلها أمامه تحت رجليه ، فتحها ، أخرج منها أدوات العمل ، لباسه المزكرش
الواسع ، لبسه و طلب من إحدى السيدات مساعدته ، وحقيبة بلاستيكية يجمع فيها مواد
ومساحيق مختلفة ، بيضاء وزرقاء وسوداء وحتى الحمراء ، تقابل مع مرآة دار القرآن ،
لطخ وجهه بمسحوق ، ثم بمادة بيضاء ، يتقن هذه العملية جيدا فقد اعتاد ذلك ، أخرج
شيئا يمكنه من رسم فم كبير أحمر اللون ، شيء نسائي يخجل أن يراه أحد وهو يضعه بتلك
الطريقة ، رسم فما بسرعة ، أخذ قلما أسود خاص بالتجميل وضع القليل منه على عينه
راسما نصف دائرة يتوسطها خط طويل ممتد من حاجبه إلى خده الأيمن .. أخذ قلما أزرق
رسم به نجيمة وسط خده الأيسر. انتهى الصعب
ولم يتبق سوى وضع الشعر المختلط بألوان بيضاء وحمراء ، وضع آخر لمسة وهي الأنف
الأحمر البارز كقطعة طماطم ناضجة .. شاهد في المرآة ، فوجد نفسه " مهرّجا
" فتح ثغره باسما ، متناسيا ماضيه و حاضره بما فيه ، كل ما يعرفه الآن أنه
مهرج و هو ملزم بأن لا يمسك الابتسامة و الضحكة العريضة عن فمه . استعد جيدا و
ارتمى نحو الأطفال ضاحكا مغيرا نبرة صوته لتصبح أكثر حدة لعلها تساعده في إخفاء
هويته ، تقدم لمنصة لا تتجاوز مترين ، مساحة بعض الكراسي التي تم إزالتها .. تفاجأ
بعدم وجود صوتيات تساعده في مهمته ، فهو الآن أمام تحدي إضحاك هؤلاء الصغار بصوته
ووجهه وجسمه .. منهم من بكى ومنهم من ضحك حتى الثمالة ، فرحا بمهرج لا يملك الخبرة
الكافية لمواجهة هذه التحديات ، فهو ثاني عيد ميلاد يعمل فيه ..
راقص ولاعب و أنشد
مع جميع الشجعان ، ذكورا وإناثا لم يهابوا شخصا برجلين و يدين واقفا أمامهم و وجهه
مزكرش كملابسه وشعره الكثيف الملون .. شارفت الحفلة على الانتهاء فانتهى عمله ،
عاد للغرفة ، غير ملابسه وغسل وجهه ، عاد عماد و عادت معه الذكريات بماضيها
وحاضرها ومستقبلها ، جاءته إحدى السيدات ، مدته بورقتين من فئة 100 درهم ، تعجب
لذلك فهو اتفق معهن على 150 فقط ، قالت له احتفظ بها واعذرنا .. صمت فرحا وغادر
مغلقا الباب وراءه بهدوء .
أشعل هاتفه ، تمعن
الساعة جيدا ، تشير إلى 16:05 مساءً .. وسط الدروب والأزقة ما زال تائها ..

