728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    يوميات مهاجر إلى بلاد الجرمان (19) ~مهدي يعقوب~

    عالم فريد اسمه الكرامة

    كانت المدينة التي فيها يقطن صغيرة نسبيا مقارنة بالمدن الألمانية الكبرى ، غير أنها تضم بين جنباتها كل المرافق الحيوية الضرورية للدخول لعالم الكرامة الإنسانية ! فزيادة على الأمن المستتب ، و سيارات الشرطة التي تجوب المدينة من أقصاها إلى أقصاها ، و مصالح الوقاية الألمانية المدنية ، مرورا بالمستشفيات و المرافق الصحية العمومية ، كانت هذه المدينة تتوفر على أغلب المصالح الترفيهية التي من شأنها تيسير الحياة بشكل كبير على ساكنيها ، و كل ذلك في قالب غابوي متناسق لم يره من قبل ، فكانت المدنية تغطس بشكل عجيب ، في مساحات كبيرة من الغابات الخضراء و البحيرات كأميرات نائمة ، و كان بإمكان ساكني المدينة الإنتقال من المدنية و قمة التكنولوجيا ، إلى سكون الطبيعة و سحرها و جبروتها ، بخطوات ساحرة ، كانت الغابات تحيط بالمدينة ، و أغلب المدن الألمانية ، كما يحيط عدو عدوه ، يحاصره من كل الإتجاهات و لا يترك له مكان من يفر ! و كان هذا من أجمل الأشياء التي راقته ، ففي المدينة التي منها قدم ، من المجرة الأخرى ، لم يكن بالإمكان أن تجد مكانا أخضر في كل تلك البنايات السكنية و الإقتصادية الشاهقة ، و علم حينما احتضنته ألمانيا بغاباتها و طبيعتها ، أنه كان يعيش في مثل سجن مدني ، سجن ملوث ، بسياراته ، و بناياته و تلوثه ! و كان مكان الجامعة التي فيها يدرس يطل بشكل مباشر على مساحة واسعة جدا من الغابات و البحيرات التي فيها الأطيار تسكن و إليها تؤم ، و تصير في أوقات الربيع و الصيف مكانا للإلهام ، و سوقا لكلمات الشعراء و الكتاب ، عالم خيالي جدا ، عالم مثالي جدا ! رباه ، ما هذا الجمال ، ما هذا الإبداع و الدقة في الصنع ، ما هذا الإتقان ! هناك ، هناك ، أحس كثيرا ، بدينه ، أحس بكثير من الأحاديث النبوية التي كان يقرؤها فقط ، لم يكن لها تطبيق في بلاده التي تدين بدين الإسلام ، و وجد لها هناك أصلا ! 
    كان فكرة أن تجعل جامعة للتحصير مقابلة بشكل متواز مع الغابات و البحيرات فكرة عظيمة فعلا و عبقرية ، فالذين قاموا على التشييد علموا يقينا أن هذا المنظر يساعد فعلا على التحصيل و اليفتح أبواب النفس و العقل ، التي تسدها المدنية و التكنولوجيا ، و البنايات الإسمنتية ، و حتى في فصل الشتاء ، حين يحل الثلج ضيفا على المدينة ، كانت الغابات المترامية الأطراف تنقلب إلى لوحات بيضاء جميلة ، تغري الناظر إليها بطرد ناظريه إليها ، عبر نافظات الجامعة العملاقة المطلة عليها ، و كان احتساء القهوة الدفيئة الساخنة ، على كراس وثيرة فخيمة في الجامعة و أمام النوافذ العملاقة ، في ظل تكييف الهواء الساخن داخل القاعات ، كانذلك متعة لا يمكن وصفها ، حتى أن الكراسي لم تكن خلو من الطلاب في مراحل الإستراحة و بين الفصول … الغابات هناك كمعالج نفسي جامد ، يقضي مرتادوها ، ساعات من علاج نفسي طبيعي ، قلما يستطيع معالج نفسي محاكاته ! و كانت الكراسي الفسيحة في الجامعة محج الطلاب و الأساتذة ، الشيء الذي أعجب به غاية الإعجاب ، كان الأساتذة ، يجلسون مع التلاميذ في ردهات الجامعة ، و فوق الكراسي و الأرائك ، و كان التعامل بين الإثنين ، كتعامل الأصدقاء بينهم البعض ، لم تكن تلك المسافة التي اعتادها هو في بلادة موجودة بين الأساتذة و الطلاب ، حتى في المراحل الإبتدائية و الإعدادية ، في جميع مراحل الدراسة الألمانية ، تجد الأستاذ كصديق لطلابه ، شيئ راقه كثيرا ، فكان من الطبيعي جدا أن تجد الأستاذ في الجامعة ، يمازح طلابه في ردهاتها ، بدون أن ينقص هذا من قدره ! 
    الجامعة في ألمانيا ، مصنع ، لتحرير الكرامة ! الداخل إليها ، ليقابل الكيميائي ، و الفيزيائي ، المؤرخ ، و الجغرافي و العالم و الرياضي ، كخلية نحل ، تنتج عسلا فكريا ، يبني مستقبل بلد ، يعلم ماذا يريد ، مستقبل بلد ، يعتبر الأقوى بين دول الإتحاد الأوروبي ، ها هنا ، كان المستقبل يبنى ، بين ردهات هذه الجامعة ، كانت قوة البلد تتشكل ، كما يتشكل قوس الألوان بعد تظافر جهود قطيرات الماء في يوم ممطر ، حين تشرق عليه الشمس ! 
    كان الإنسان في هذا البلد يبني الإنسان ، و كانت الأخلاق هي العنوان و الإمضاء الذي به خُتم على دستور التعامل بين المواطنين ! كان الكل يعلم ، أن الرحمة أجمل ما في الإنسان ، و أنهم يتشاركون في جل الأاني ، و هي السعادة ، و يعلمون ان السعادة لا يمكن أن تكون في بلد بدون تظافر جهود الكل ، كان الكل يرقى بالكل ، و كانت المبادئ تعتز بالمبادئ ، و كانت القيم التي تجمع بين أفراد هذا المجتمع ، تتمثل في عدل يبسط هيمنته على كل فرد من أفراد الدولة مهما كان منصبه ، و دون انتقاص من قدره ! كان هذا العد الذي يسيطر على المجتمع ، يقيم حياة مليئة بالطمأنينة و الرضى ، بين كل فرد هناك …
    خرج يعقوب من الجامعة ، في مساء يوم مثلج ، و بقدر ما كانت الثلوج باردة ، كان وقعها على نفسه دفيئا ، حيث أنه لم ير في حياته كلها ثلجا يتساقط على الحقيقة ! كانت هذه الظاهرة الطبيعية جميلة جدا ، حبيبة كانت على نفسه ، و كان لا يخرج أيام الشتاء إلا متدثرا بشكل كامل بملابس ساخنة ، و لا يبقى يُرى من جسمه إلا لحيته ووجهه ، الذي تغطي خدودة نظاراته الطبية ، و كان الثلج يداعب لحيته ، فيصبح للحظات كشخص شاب عجوز ، أبيض اللحية . الشتاء في ألمانيا قاس جدا في بعض الأوقات ، خاصة بالنسبة للراجلين ، القر في الطرقات يقطع الأوصال ، غير أن جميع البنايات مكيفة بهواء ساخن ، بالإضافة إلى الميترو و الباص ! 
    قصد يعقوب السوبر ماركت الذي يقابل جامعته ، و لا يفصل بينهما إلا شارع كبير ، دخله ، فأحس بلذة كبيرة ناتجة عن التخول من البرد القارس إلى الهواء المكيف الذي يهيمن على السوبر ماركت ! و كما هي العادة كانت، كان أول ما يقصد من الرفوف ، رفوف الشوكولاته و الحلويات ، و كانت هذه الفترة من الشتاء التي تسبق احتفالات أعياد الميلاد في ألمانيا مرتعا كبرا لمحبي هذه المادة ، فتكثر في رفوف السوبر ماركت ، و يقل ثمنها بشكل ملحوظ ، ذلك أن الألمان يقبلون على شرائها كثيرا في مثل هذه المناسبات …
    ـ عذرا ، هل أنت مسلم ؟ 
    التفت بشكل أوتوماتيكي إلى الصوت الذي من نبرته خمن عمر صاحبته العجوز ، فقال و هو ممسك بتمثالين من الشوكولا لسانتا كلاوس ، ثم اردف 
    ـ نعم أيتها السيدة ، انا مسلم ! كيف خمنت ذلك ؟
    ـ أوه ، من لحيتك ، و لون بشرتك ، خمنت أنك عربي مسلم ! 
    ـ أصبت أيتها السيدة ، أنا مغربي مسلم ، كيف حالك أيتها السيدة ؟ 
    قالت و هي تتوكأ على عكازها : 
    ـ الحمد لله ، يسعدني جدا أن يتساقط الثلج هذا العام ، لأنني لا أتخيل أعياد الميلاد بدون ثلوج ! 
    ـ أوه نعم ، جو جميل حقا ، رغم قساوته شيئا ما ! 
    ـ سوف تتعود أيها الشاب ! اعذرني على تطفلي ، فسؤالي كان من أجل أنك تمسك بتمثالي سانتا كلاوس ، و تعجبت أن السلمين يفعلون هذا ! 
    ـ و ما العيب في هذا أيتها السيدة ؟ قال مبتسما ! 
    ـ كلا لا عيب في ذلك ، فقط لأني قرأت أن المسلمين لا يحتفلون بأعياد الميلاد !
    ـ صحيح أيتها السيدة ، و أنا لم أكن أنوي شراءهما من أجل الإحتفال ، أوه ، أو ليس كل الإحتفال ، لأني كنت أود الإحتفال ببطني الليلة ، فهما من الشوكولا التي أحب 
    ضحكت السيدة العجوز ثم أردفت : 
    ـ متشرفة بمعرفتك أيها الشاب ، أنا ريغينه 
    ـ و أنا مهدي يعقوب ، نادني جاكوب ! 
    ـ حسنا يا جاكوب ، هل تدرس هنا !؟
    ـ نعم سيدتي أنا أدرس في الجامعة المقابلة ! 
    ـ شيء جميل أن نرى أجانب يبنون ألمانيا يدا في يد معنا نحن الألمان ! 
    ـ يسعدني كثيرا أيتها السيدة ، أنك لست عنصرية !
    ـ أوه ، إطلاقا ، ألمانيا ليست فقط للألمان ! ألمانيا بلد مضياف ، و قليل من أهله ينتهجون العنصرية تجاه الأجانب ! 
    لا يدري لماذا اتجه فكره مباشرة نحو العمارة التي فيها كان يقطن ، يدق على باب السيدة إيديلتراوت دقا عميقا ، حتى شرد ذهنه ، فجذبه صوت السيدة ريجينه إلى الواقع مرة أخرى 
    ـ سيد جيكوب ! 
    ـ أوه عذرا سيدتي ، يبدو أنني جلت بخاطري إلى مكان آخر ! هل لي أن أساعدك بشيء ؟ 
    ـ كلا هذا فضل كبير منك ، أتيت هنا فقط من أجل تبضع بعض الأشياء ، أنا أقطن في العمارة الكقابلة مع ابنتي ! 
    ـ جميل أن يعتني الأبناء بآبائهم ، شيء جميل هنا في المانيا ! 
    ـ أيها الشاب ، لا يزال هناك أخلاق في هذا البلد ! 
    ـ صحيح ! سوف أستأذنك سيدتي ، أتمنى أن أراك مرة أخرى هنا ! 
    ـ و أنا أتشرف بمعرفتك سيد جيكوب ، ليلة سعيدة ! 
    ـ ليلة طيبة أيتها السيدة !
    إلى الأعلى