أمسكت هذه الورقة البيضاء بين يديَ و تأملتها طويلا عساها تنطق و تدلني على كلمات لم أكتبها قبلا لأكسر البياض المسيطر على التي بيدي ، طالت مدة التأمل فلا الورقة تنطقُ و لا قلمي يكتبُ، لأكسر أنا الصمت مرة أخرى في محاولة بائسة لإيجاد كلمات أغازل بها عذرية أوراق أنتشلها من دفتر عانى الهجران في سنة كنت أنت موطني خلالها
هذه المرة لن أكتب عن مدى حبي لك أو كم اشتقت لك ، لن أكتب عن الصدفة الجميلة التي جمعتنا ذات فبراير و لا عن القدر البئيس الذي فرقنا ذات ليلة لا هي بشتاء يناير باردة و لا هي بدموعي ساخنة
سأكتب عن اللاشيء ، ذلك اللاشيء يروقني كان أنيسي الوحيد عندما هجرتني ، ذلك اللاشيء جعلني أقع في غرام فتى و أكون ضحية ثورة لا موطنها موطني و لا قادتها من قبيلتي
أحمل قلمي و أحاول قدر المستطاع إيجاد كلمات بعيدة عن معجم العشق و الفراق لأجد نفسي مكبلة بقيد أبى أن يُدْفَن في طيات الماضي فأقنعته أن يمسك يدي و نخترق المستقبل المجهول معا ، ذلك المستقبل الذي خططنا له أكثر مما خططنا للقاء فكان اللقاء جميلا و كان المستقبل بعيدا عن اللقاء
أيعقل أنه من كثرة ما كتبت عنا لم تعد كلمات معجمي تناسب ما أريد كتابته أم أنه لم يعد لدي ما أكتب عنه لا الذكرى ولا صاحبها ، حتى صورتك تلك، كنت أعلم أنه سيأتي يوم أعجز فيه عن تخيلك فتى أشقر شامي ، حتى دروسك تلك ، كنت أعلم أنه سيأتي يوم لا أجد أستاذا يُحَدِثُني عن النسبية و يستهزِأ بي لأني ما أزال الوحيدة المخلصة لنيوتن رغم تفنيد إنشتاين لنظرياته
كنت تقول إن فضل السماء علي كبير لأنها جمعتني بك ، و أنا التي صرت الآن أمقت النظر لزرقتها لنجومها و لقمرها لأنها سرقت مني فتى ، فتى كان يقول أني أميرة السماء لأتوج فيما بعد ملكة للخيبة و الهجران ، فلا عاد قلبك يليق بي و لا عادت السماء تليق بما سميناه ذات يوم –نحن-
كنت بطل ثورة و كنت أنا حبيبة البطل : لا تبدو كقصص أحلام و لا كالقصص التي تخبرني بها جدتي قبيل النوم ، لأنها قصة ثورة أشعل فتيلها سقراط باِسم الديمقراطية و كان بترولها مونتسكيو و ديدرو لتكون أنت كومة القش التي يصلها اللهيب ، فتغادر الشام إلى لبنان ثم إلى تركيا في محاولة للاستقرار أو ربما لأن سورية شهدت اللقاء و لبنان الفراق ، ما الذي ستشهده تركيا أهو لقاء جديد أم فراق أبدي ؟؟
أتطلع لمستقبل مهما حاولت اِستبعادك عن تفاصيله أعجز و أعجز حتى أضحى من المستحيل أن أقول كلمة عن المستقبل بدون ذكر اِسمك ، لا أعلم أي صدفة غريبة ستجمعنا أو أي قدر عنيد قد يخضع لإرادتنا
و ها أنا ذي قد أشرفت على أن أضع قلمي و أدس الورقة مع تلك الأوراق السابقة التي تبتدِأ بحبر أزرق و تنتهي بقطرات الدموع ، لا أحس أن ما كتبته يرضي ما يعتريني من مشاعر و أحاسيس و لا ما يمليه علي عقلي من آراء و تفاسير ما كتبته أملاه علي اللاشيء ، لولا أنه أنيسي الوحيد لشتمته لأنه شغلني عن كتابة كلمات ربما كانت أقرب لوصف كم أحبك ، ذلك اللاشيء شغلني قليلا عن ذكراك فصرت كالتائهة لا نسب لي و كالمشردة في أحضان عائلتي

