ألمانيا و البلدان الأوروبين ، و الدول الإسكندنافية ، تحترم كرامة الإنسان ، و توفر له أشياء ، جميلة جدا ، تشعره أنه إنسان كريم يمشي على أرض القانون ، و يعلم أنه إذا داس أحد له على طرف سيجد من يرجع له حقه ، و يعلم أيضا أنه إذا تجاوز حدوده المسموح له بها ، و ارتكب جرما يعاقب عليه القانون سيجد العقاب المناسب مهما كانت طبقته التي ينحدر منها حتى و إن كان رئيس ألمانيا نفسه ! من أجل ذلك كله ، غرقت سلبيات مصلحة الهجرة في بحر مزايا النظام و المجتمع الألماني ! و لا عجب ، فالقرق كبير جدا بين نظام هذه البلاد و بلاده التي منها هو ينحدر ، بلاد لا يزال تطبيق القانون بها مرتبطا بالطبقة التي يأتي منها مقترف الجريمة ، بلاد ، لا تزال الرشوة فيها هي من يحدد سير القضاء و النطق بالحكم فيه ، بلاد ، لا يزال الأشراف فيها يطلقون النار على رجال الشرطة ، و يصفونهم بالذباب و في اليوم الموالي تستخرج للجاني شهادة بمرضه بمتلازمة الكورساكوف النادر ، بلاد ، لا تزال عائلات بعينها تتحكم في اقتصاد البلد ككل ! بلاد ، لا يزال الفقير فيها يموت حسرة و حرقة قبل أن يموت جسدا على أبواب المستشفيات التي تفتقر إلى أدنى شروط الكرامة الحيوانية فقط لأنه لا يملك ثمن الإستشفاء ! بلاد يمكن أن تكون فيها بريئا في الصباح ، و تلفق لك تهمة في المساء ، بلاد ، يسجن فيها العجائز ، لمجرد أنهم انتفضوا ضد نصب طالهم ممن يحسبون على مطبقي القانون هناك! كل ذلك حينما كان يقارنه بما رآه هنا في المانيا ، يجد لفرق كبيرا جدا كالفرق بين السماء و الأرض !
بلاده أضحت منذ استقلالها ضيعة لعائلات بعينها ، و اطفالهم ، و باقي الشعب يجب أن يتصارع مع بعضه البعض من أجل فتات ، يقيه الوقوع في براثن الفقر !
من أجل ذلك كانت بلاده في حاجة ماسة إلى الكثير من الأصباغ و الأرطال من الجير لكي تزين صورتها البشعة التي تخفيها صورة السياحة فيها ! فكان لا بد ، من تزيين الواقع العفن ، بحفنة من الصور يروجها المنظرون هناك لتلك البلد ، و كأن القادم إليها لا يعلم حقيقتها ! فالسياح يعلمون بشكل مباشر أو غير مباشر كل سبليات بلاده ، بل إنهم يلقنونها قبل ركوب الطائرة من أجل الحفاظ على سلامتهم و كرامتهم !
و من أجل ما رأى في ألمانيا ، ما كانت يحتاج نظامها و مسؤولها للتنظير للبلاد ، وما كانوا بحاجة إلى أرطال من الصباغة من أجل تزيين وجهها الجميل أصلا ، لأن القانون هناك يطبق على كل الناس سواسية ، و الصحافة هناك حرة مستقلة ، لا تعرف للحنان سبيلا في ما يخص منتهكي القوانين الألمانية ، و الذين يحسبون نفسهم أكبر من القانون !
مركز شرطة الهجرة ، امتهان فعلا لأنفس المهاجرين ، فإذا كان المهاجرون القانونيون هكذا يعاملون ، فما بالك بالمهاجر السري غير الشرعي ، هكذا تساءل و نفسه ، قبل أن يقطع خيط تفكيره صوت امرأة شابة
ــ نعم سيدي ، كيف يمكنني أن أخدمك ؟
ــ أريد موعدا من أجل إقامتي أرجوك
ــ هل أنت طالب ؟
ــ نعم !
ــ ناولني إذا جوازك ، و ورقة القبول في الجامعة
ــ تفضلي
ــ حسنا ، لدينا مواعيد شاغرة اليوم و بعد غد ، أيهما تختار !
ــ حسنا أفضل اليوم
ــ حسنا ، موعدك بعد ساعة في الطابق الثاني رقم 404
ــ شكرا !
ـ عفوا
ذهب ، و تسلق الدرجات حتى أحيل على ساحة كبيرة ، و كراسي في وسطها ، و ابواب مرسومة على حائطها ، و لوحة إلكترونية تشتد إليها الأنظار ، بحثا عن رقم مفقود ، جلس ، و ارتباكه لا يزال يرافقه ، مرت الدقائق ، و رأى رقمه ، فدخل و حياه الرجل المكلف
ــ أهلا سيد مهدي
ـ أهلا سيدي ، عذرا كيف عرفتم اسمي ، و لما أكلمك بعد
ضحك ضحكة خفيفة ، و رد
ــ أرسلت إلي معلوماتك عبر هذا الجهاز ، و أشار إلى الحاسوب !
ــ عملكم يشبه حرب الجواسيس
ــ إذا ، فكل العالم جواسيس حسب نظريتك ـ
ـ كانت فقط مزحة عابرة
ــ جميل أن تكون معنوياتك مرتفعة ، فأغلب الذين يزوروننا في هذا المبنى يأتون لا يقدرون حتى على النطق من شدة الإرتباك
ــ شيء طبيعي ، فهناك زملاء لك ، يشبهون أشباحا مخيفة ، من فرط التبرم في وجوه الناس !
و الظاهر أن كلامه الأخير لم يرق له ، فقال له
ــ ينقصك وثيقة الضمانة ، يجب على من يضمنك أن يرسل لنا وثيقة ، يوضح لنا فيها ، ما يجب عليه توضيحه
ــ حسنا
ــ المهم ، ستحصل على الإقامة البينية ، و ها هو جوازك ، و فيه كل ما تنتظره
ــ لم أكن أتوقع أن الأمر سهل إلى هذه الدرجة !
ــ أتمنى أن يظل الأمر دائما كذلك بالنسبة لك ، فهناك من يأتي إلى هنا ليذهب إلى المطار مباشرة !
ــ سأعمل على أن لا أمكنكم من فعل ذلك ! مع السلامة
ــ مع السلامة !
خرج ، و كان كل شيء يدور في خلده مشتت ، و أحس بضيق شديد ، كيف كيف يستطيب العيش هنا كيف ، كيف أصبحت بلاده و بلاد المسلمين ، كعكة بين يدي شرذمة من المجرمين ، مصاصي دماء الشعوب ، لماذا ، لا تصبح بلاده و بلاد المسلمين كهذه البلاد ! لماذا يسمح الشعب المستضعف لمثل هؤلاء الحثالة الذين يعيشون بين ظهرانيهم ، بسرقة أموالهم ، و المال العام ! لماذا يقبلون العيش في الحضيض ؟ لماذا لا تصبح كل الشعب الإسلامية كهذه الشعوب الكافرة التي تقطع الطريق على كل من يريد التلاعب بأقواتها ، لماذا يسرقون أموالنا ، و يتفرجون علينا أذلة في بلاد الكفر نستجدي أياما على ورقات الجواز !
سأل نفسه هذه الأسئلة ، و لم يجد لها إجابة ، و قطعت تفكيره دمعة حسرة ! و قصد مسكنه ، و في نيته أن يعجل برحيله إلى مسكنه الجديد ، و أن يحارب حتى أخر رمق ، و أن يثبت وجوده ، و أن يظهر لهؤلاء الكفار ، أنه في مستوى إنسانيته ، و آدميته ، و قبل كل ذلك في مستوى إسلامه ...
ركب الميترو ، و نزل محطتين قبل محطته ، و دخل إلى غابة من الغابات المحيطة ، و جلس على كرسي تحت ظل شجرة و دخل في نوبة تفكير أدت به في الأخير إلى شعر رقيق كتبه على ورقة لا يزال بها يحتفظ ، كأول كليمات كتبها في بلاد الجرمان !
في غد : امرأة ثمانينية من عصور النازية

