728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    مثقف لا يرى نفسه فصامياً ~محمد بادريس~



    إسمُهُ محمد، و بما أنه إسم مقدَّس عِندنا، لنُغيره و لنُسمه كريماً.





    يتجول كريم بين رفوف مكتبة قصدها عَـلَّـه يجد كتابا ممتعا ليقرأه. عادةً، يقرأ الشِّعرَ بالعربية، و الرواياتِ بالفرنسية. هكذا اعتاد، و هكذا يجد لذَّته في كل لغةٍ من لُـغـتَي الكِتابة بالمملكةِ الشريفة. ولا شيء يراهُ غريباً أو مزعجاً في ذلك.


    لايزال يتجول في المكتبة كلما فتح كتابا فيه شعراً إلاَّ أغلقهُ على الفور، لأنه لا يكاد يستسيغُ الشِّعرَ الحُـر، و الكلُّ صارَ يكتبُ شعراً حراً في زماننا، كما الكلُّ صارَ ثائراً !


    ثمَّ فتحَ كتاباً و قرأ الأبياتَ التالية :


    ما أكثَرَ النَّـاسَ بل ما أقلَّـهُم *** اللهُ يعلَمُ أني لم أقُل فَنَدا


    إنِّـي لأفتَحُ عيني حينَ أفتحُها *** على كثيرٍ و لكن لاَ أرى أحَدا


    قال في نفسه : و كأنَّ الشاعرَ أنا. و دبَّ حماسُ في جسمِ كريم، يجيئُهُ كلما قرأَ شِعراً عمودياً.


    قلَّـبَ الصفحاتِ و قرأ :


    السيفُ أصدقُ أنباءً من الكتبِ *** في حَدِّهِ الحدُّ بينَ الجدِّ و اللَّـعِبِ


    و العِلمُ في شُهُبِ الأرماحِ لامعةٌ ***بينَ الخميسينِ لا في السبعةِ الشُّهُبِ


    بيضُ الصفائِحِ لا سودُ الصَّحائِفِ  في *** مُـتـونِـهِـنَّ جلاءُ الشَّكِّ و الـريبِ


    يعرِفُ جيداً هذه الأبيات. أبو تمام يوثِّقُ لملحمةِ عمورية ، حينما حذَّر العرَّافون المعتصِمَ بالله بأنَّ المعركة ستجلبُ للمسلمينَ نحساً. أحسَّ كريمٌ بنشوةٍ كبيرة، إمتدت فيما بعد إلى آخر النهار، جاعِلة منه يوماً آخرَ سعيداً يعيشُهُ.


    ذهبَ ليدفعَ ثمنَ الكِتاب، ورأى أمامه روايات بالفرنسية : "Le Rouge et le Noir" لستاندال، "la fausse maîtresse" و "Le Colonel Chabert" لبالزاك الذي، في نظرِهِ، أفضَلُ كاتبٍ على الإطلاق. هذه الرواية الأخيرة قرأها مراراً و تكراراً، و لأنَّ هذهِ النسخة لم يرها من قبل، قرَّرَ أن يأخذها معه. إنهُ في مثلِ هذهِ الأمورِ لكَريم !


    و قبل نهاية اليوم، و بينما يجلِسُ أمامَ فنجانِ قهوةٍ سوداءَ ملأَت رائِـحتها المكان، تذكَّـرَ قصيدةً كتَبَها أحدُ السعوديِّينَ الشَّباب، مطلَـعُها :


    صُـبِّي حنانَكِ في معزوفةِ السحرِ *** حتى يفوحَ أريجُ الهولِ و الحَورِ


    و مع الرشفةِ الأولى تذكرَ البيتَ من نفسِ القصيدة :


    أدهى منَ القُبلَةِ الأولى و جَـذْوَتِـهـا *** فنجـانُكِ المُـرُّ لا يُبقي على أثَرِ 


    قرأَ القصيدةَ ذاتَ مرةٍ في مجلةٍ سعودية، أهداها منذُ سنواتٍ لصديقةٍ لم يعد يراهاَ. لكن الأبيات لم تبرح مكانها مذ دخلت دِماغه. وزادتهُ حُبـاًّ لدولةٍ، مملكةٍ سعيدة، لطالما احتقرتها دول اشتراكية عُروبية،طالما مقتها كريم. دُوَلٌ لم تتماسك أمامَ اختبارِ الزمان، ونُسِفَت تِباعاً  أو تكاد على مدى عشرينَ سنة.


    البلاد خرجَ منها رجُلٌ  مُصطفى، إصطفاهُ الدهر الذي لا يجوز سَبُّـه. إسمُهُ محمد، وحَّـد أمةً تسكنُ أرضاً مُترامِيةَ الأطراف، وحدتها من بين ما وحدها لغَةٌ


     بديعةٌ أنتجوها، أقولها مادحاً، عربُ الصحراء. ألاَ قدِّسوا محمداً !


    11210161_601094853360574_601547281_n


    أمسكَ كريم رواية كان قد بدأها، للروائي الجزائري الموهوب ياسمينة خضرا، إسمُهُ هوَ الآخر محمد، الضابط محمد مولسهول. و انغمسَ كريمٌ هائماً في لُغَةِ المُستعمر.



    إلى الأعلى