شرطة الهجرة ، الوجه الآخر لألمانيا
استيقظ في هذا الصباح على غير العادة متوترا ، فاقد الأعصاب ، حتى لاحظ تغيره أقرباءه الذين لا يزال يقطن معهم ، و الحق أنه ما من سبب يوجب هذا التوتر و الإنزعاج ، ما دام وضعه في الأراضي الجرمانية حتى الآن قانوني ، فهو يحمل معه كل ما يخول له الحصول على الإقامية البينية ، بسهولة و يسر ، غير أنه شعور بالخوف يراوده ، كذلك الذي
يسري في الجسد لا إراديا ، و فضل هو أن يذهب لوحده ، شاكرا عرض أقربائه بمرافقته ، و خرج من باب العمارة ، فضرب وجهه هواء بارد قارس ، زاد من حمى تخوفاته ! تسلق دريجات الميترو ، و أخذ مكانا داخله ، الشيء العجيب الذي جذب انتباهه أن أغلب الركاب يتصفحون الجرائد و المجلات ، و الكتب ، بل حتى الأطفال الصغار يبرى فيهم هذا الشيء المسمى ثقافة و علم منذ الصغر ، فتأخد الأم معها كتبا مصورة ، و تعطيها لأطفالها في الميترو ، و قد كان حتى في بلاده من المعجبين بتلك الطريقة ، فربع ساعة هكذا تضيع في الميترو أو الباص ، ليست بالهينة ، ووجب على الناس استغلالهها في أشياء مفيدة ، و الحق أن المجتمع الألماني بكافة أطيافه إلا من شذ منهم ، تراهم كأسنان المشط في الميترو ، فكان شيئا عاديا ، أن تجد رئيس شركة كبيرة مثل فولكس فاكن ، يركب الميترو مع من يشتغلون عنده على رغم الفرق الكبير بينهم في المنزلة ، و شيء عادي ، أن تجد المستشار الألماني نفسه الذي يحكم البلاد داخل الميترو برفقة حارسيه الشخصيين الذان تكفلهما الدولة لحراسة حاكمها ، هكذا نعم بين الناس ، و بين المهاجرين ، بل منهم من لا يأبه له أصلا ، و على العموم كان الميترو واجهة و مرآة للمجتمع الألماني ، فنادرا ، ما كان يركب الميترو و يلقي التحية ، و لا يرد عليه أكثر من راكب و لو حتى بالإبتسامة ! هذا الجو في الميترو أشعره بالذهول الشديد ، لأن المواصلات العامة في بلاده لا يركبها إلا من لا يستطيع اقتناء السيارة !
المجتمع الألماني في الميترو مجتمع متكافل متعاون إلى أبعد الحدود ، فيحدث أن تجد المستشار الألماني هناك واقفا ، أو تاركا مقعده لعجوز أو لأمرأة تحمل طفلا ، و شيئ جائز أن ترى التعاون بين الركاب لحد يجعلك تشعر بالدهشة من كل هذه الأخلاق التي تفتقر إليها بلاده ، و كان كل واحد منهم ، يقتني تذكرة ركوبه ، و يتركها لماكينة مثبثة في الميترو من أجل تذييل تاريخ الرحلة عليها ، و حينما كان مفتشوا الميترو ، يصعدون لمراقبة التذاكر ، كان الكل إلا ن شذ ، يخرج بطاقاته أو بطاقته الشهرية للإشتراك ، و كان منظر الذي ركب بدون تذكرة مثيرا للتقزز ، لأن المجتمع الألماني يربي أبناءه على عدم السرقة ، كيفما كانت هذه السرقة ، و لو أن تصعد الميترو بدون تذكرة ، يربون أبناءهم ، أن ثمن التذكرة ستستغله شركة الميترو من أجل إصلاح الميترو ، من أجل رفاهية أكثر للمجتمع الألماني ، أن ثمن التذكرة ، سيكون جزءا في أجر السائق مثلا أو من يقومون على إصلاح الميترو ، و من يعملون بشكل عام في هذه الشركة ، فكان ثمن التذكرة على بساطته ، مشاركة من المواطنين في عون المواطنين بعضهم البعض ، و كانت الشركة توفر رفاهية في المواصلات لم يجدها في بلاده ، و كان الشعب يعلم قيمة هذه المركبات فلا يحطم أجهزتها ، و لا يقوم بأي تخريب ، لأنهم يعلمون أن المواصلات إنما وجدت من أجل خدمة الشعب بأكمله ! فكان هذا المجتمع حقيق بالنصر و التمكين ، لأنه وجد اسبابهما ، و استثمرها في الرقي و النهوض بهذه البلاد ، و لا عجب ، فرقي أي دولة من الدول إنما هو رهين بتكافل الشعب ، حكاما و محكومين !
في ذلك الصباح لم يستطعم شيئا ، توالت المحطات شيئا فشيئا ، و اقتربت محطته ، و ترائى له مبنى كبير ضخم ، كتب على جانبه ، ولاية ساكسن السفلى ، مصلحة المهاجرين ، كان هذا المبنى عبارة عن مركز لامتحان كبير مخيف بالنسبة للمهاجرين و الطلبة ، تماما كامتحانات القبول أو الولوج للوظيفة في جميع البلدان ، فجرة قلم ، كافية بأن ترجع طالبا أو مهاجرا في بلاد الجرمان إلى بلاده ، هذا الرجوع الذي يهابه أغلبية المهاجرين لأسباب متعددة ! دخل المبنى ، فكان عليه أن يقف في نهاية صف طويل من أجل الحصول على موعد ، ليرجع في اليوم الموالي ، أو إذا كان من السعداء التعساء ، يمكن أن يتكرم عليه المستقبل في مكتب الإستقبال بموعد في نفس اليوم ، تجمع في ذلك الصف جنسيات مختلفة ، من أفارقة سود ، مصريون ، مغاربة ، سعوديون ، و كانت القارة الآسيوية أيضا بقوة في ذلك المبنى حاضرة ! أغمض عينيه ، أخرج زفيرا عميقا ! كيف بالله يعاملوننا هكذا ، كعبيد جاؤوا يستجدون الرغيف ، أو يستجدون الإقامة ، او الرأفة ، حتى نظرات العاملين في المبنى كانت تشي بالكثير من الأشياء التي لا يمكنهم أن يفصحوا عنها بألسنتهم ، كيف يعاملوننا هكذا ، هل يحسبون أنهم يعيشون في بلاد الذهب ، نعم ، هم أكثر منا حضارة في المجال الدنيوي ، لكننا خير أمة أخرجت للناس ، حينما كان آباؤنا و أجدادنا يعاملون أجدادهم بأحسن طريقة امتثالا بأخلاق الإسلام الحبيبة ! كانوا يأتون إلى بلاد الأندلس ، و يتعلمون اللغة العربية من أجل تعلم العلوم الدنيوية ، انقلبت الآية الآن ، و أصبحنا في أسافل السلم الحضاري ، و أصبحنا من أجل تعليم يحمي للإنسان كرامته ، أصبحنا نستجدي رحمتهم ، حتى أن الكثير من المهاجرين ، ليلة موعده مع شرطة المهاجرين ينقلب ممثلا قديرا ، يبدع في تحويل قسمات وجهه إلى بئيس ، للتو خارج من أنقاض زلزال مدمر ، كل ذلك من أجل أن يحضى بالإقامة ! و كان المهاجرون الذين يقومون دعامات الصف الذي فيه يقف ، يرمقون كل خارج من موعد ، و يتسابقون في قراءة قسمات ملامحه ، ليعرفوا هل هو من السعداء أم ممن حكم عليه بالشقوة ! سب في قرارات نفسه مسؤولي بلاده الذين حولوها إلى ضيعة لهم و لأبنائهم ، يشربون من حليبها ، و يتغذون على لحمها ، و يرمون الفتات للغير ، حنق عليهم أشد الحنق ، حتى بكى في قرارة نفسه ! لماذا نضطر إلى قطع كل هذه الكيلومترات ، و التضحية بأقاربنا ، و حاجاتنا الغالية ، و نأتي إلى هذه البلاد الغريبة ، و نعامل مثل العبيد ، أو مثل أشياء عفنة ، انتهت مدة صلاحيتها ، تنظر في أعين العاملين هناك ، فتجدها ملئى بكل التهم الجاهزة ، من أن المهاجر ما هو إلا بائع كلام ، إلى تهمة الإرهاب ، مرورا بالشك في نواياه الدراسية ، و أنه هنا لأجل خطف فرص العمل ، و الزواج من أية عفنة ، يصبر على معاملتها من أجل الحصول بعد 3 سنوات على الإقامة الغير محدودة في بلاد ألمانيا ، من أجل ذلك ، يمنعون العمل بالنسبة للطلبة الجدد ، و لا يسمحون لهم بالحصول على موارد قارة إلا بعد معاناة ! حينذاك أحس بالغربة تنخر عظامه ، و شاهد بأم عينه مهاجرين خارجون من مكاتب مواعيدهم و الدموع تملأ عيونهم ، لا يعلمون ماذا يفعلون ، و لا أين يذهبون ، و ماذا يصنعون ، بعد أن حجزت شرطة الهجرة على جوازات سفرهم ، و أبدلتهم مكانها ، ورقة خضراء ، كمتهم مجرم هارب فار من العدالة ، خوفا من أن يفر إلى أي بلاد أوروبية بجواز سفره ، بعد أن تعثر في مراحل دراسته ، و لم يبق له من أكل سوى العودة يجر أذيال الخيبة ، و الحقيقة ، أنه لا يلوم أمثال هؤلاء ، فهو لا يعرف الظروف التي منها مروا ، و لا الأشياء التي اضطروا إلى فعلها ، ليجد نفسه أمام مكتب شرطة الهجرة ، يرمقه بسخرية مقيتة يستشعرها المهاجر ، و هو لا يملك إلى إرجاع الصفعة سبيلا ! هناك من المهاجرين من يزوج نفسه إلى أقرب عجوز ، يقايضها ، و يدفع الثمن من صحته و هدوء أعصابه ، و أشيائه الثمينة التي طالما جمعها في بلاده ، و هناك من يفر إلى بلدان أوروبية ، و هناك من يمرض من شدة البرد القارس ، لأنه لا يملك ملاذا و لا سقفا به يحتمي لأن أوراقه و هويته بذلك لا يسمحان ! هذه الأشياء هي أحد أهم سلبيات بلاد الجرمان ، فالنظام الرأسمالي ، لا يعترف بالعواطف ، و لا يضع في حسابه للمشاعر قاموسا ، القانون يطبق بشكل حجري ، صارم ، لا مكان فيه للحنان ، بل إن الألماني ، ليترك أباه و أمه ، و يودعهما دار العجزة ، من أجل أن لا يزعجا هدوء حياته ، و لأنهما يكلفانه الكثير ، نظام رأسمالي أناني ، و كان عليه معه أن يتعايش ، و على العموم لم يكن هو شخصيا ليعاني من كل ذلك ، فوضعيته مستقرة ، و أبوه الحبيب ، يرسل له كل شهر ما يفرح قلبه ، و هو يعلم أنه يشكل عبئا عليه ، غير أن الفرق الثاني بيننا و بين الألمان ، أن أباءنا لا يتبرمون أبدا من طلباتنا ، و الأبناء لم يربوا عندنا في بلادنا العربية على دحر آبائهم و طردهم ، و عقوقهم ، رغم أن العقوق أصبح ينتشر في البلاد الإسلامية انتشار الفطر حول شجرة معمرة ! كان الصف الذي طال حتى قارب على الوصول إلى باب المصلحة و ملأ البهو ، يتكون من أناس من جنسيات متعددة ، كل العالم يجتمع ها هنا من أجل الحصول على وثيقة البقاء ، العالم كله هنا يغوص في ذلك الشعور الذي ينغص عليه حياته في كل مرة يأتي إلى هنا ! و إنه لا يشك بتاتا أن هناك أناسا ، يحسدون الألمان ، لأنهم ولدوا ألمانا ، في دولة تحترم نفسها ، و توفر لمواطنيها العيش الرغيد و تحترم كرامتهم الإنسانية ، و تكف عنهم أذى المهاجرين الهاربين من جحيم بلدانهم ، إلى جنة ألمانيا فقط من أجل الإحساس بمتعة الكرامة الإنسانية هنا ! و الحقيقة ، و أنه بالرغم من هذه الأشياء البغيضة التي يحسها المهاجر هنا في مصلحة المهاجرين ، إلا أن البلاد ككل و النظام خاصة ، يعامل المهاجرين معاملة حسنة جدا ، و القانون يطبق على الجميع ، فلا يمكن مثلا أن يعتدي عليك ألماني في الشارع و لو بالسباب ، و تكون الشرطة هناك ، و لا تقتص لك منه ، و ترجع لك حقك ، ز تطلب منك أن تصفح عنه ، أو ترفع عليه قضية ، و تواجهه في المحكمة و تكون في الأخير أنت الرابح ، و لا يمكن أن يشهد الألمان هنا إلا من شذ منهم ، اعتداء عليك من طرف عنصري بدون أن يتدخلوا للقصاص منه لك ! و لا عجب ، فبلد عاشت في عصور النازية لمدة طويلة و عانت منها ، و من التمييز العنصري ، لا يمكن أن يكون أهلها إلا كذلك ، إلا من شذ من عجائز ، و ممسوخي الفطرة الإنسانية ، ممن لا يزالون يتشبثون في قرارة أنفسهم بعقدة العنصرية ضد الآخر و ضد اللون بالذات !

