728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    يوميات مهاجر إلى بلاد الجرمان (11) ~ مهدي يعقوب ~



    الشيء الوحيد الذي لم يرق له ، و لم يعره انتباها قبل أن يمضي عقد الكراء ، هو الكنيسة المجاورة لبيته ، و كان انزعاجه شديدا حينما علم بذلك و اكتشفه ، غير أنه تغاضى عن الأمر، لسببين ، أولاهما ، أنه أجنبي عن البلاد ، و ألمانيا بلاد ككفر ، فلا يعقل أن يسمع الأذان مثلا ساعة الفجر ، و الثاني ، أنه استطاب العيش في ذلك الربع بالذات ، فلم يرم أن يغير هذا المكان الجميل ، الذي ضمه ، كضمة الأم لابنها ، هذا بالإضافة إلى أنه مكان يساعد كثيرا على الكتابة و الإنشاء ، ما خفف من وطأة هذا على نفسه ، و مناها ، بأيام سعيدة ساحرة هاهنا ! كمن يمني طفلا صغيرا بحلو الكلمات و الشوكولا ، و هو يعرف أنه يحايله ، فيتناوم له بشكل يجعله يضمه إلى قلبه ! و كان في هذا الربع بالذات ، شيئ عجيب ، اكتشفه في حينه ، و هو أنه يشهد كل أسبوع ، في منطقة معينة ، في ساحة البلدية هناك ، سوقا أسبوعيا ، يأتي فيه الفلاحون بمنتجاتهم من مختلف المناطق المجاورة لعاصمة ولاية ساكسن السفلى : هانوفر ، و اختير صباح السبت ، موعدا لهذه السوق التي تتخذ من الهواء الطلق مكانا لها ، و كانت المنتوجات التي يشتريها المرء من هناك ، منتوجات لم تداخلها الكيماويات ، و لم تتأثر بما يفعله بعض الفلاحين في المدن الكبرى من أجل تسريع الإنتاج ! فكان ذلك السوق لوحده متعة كبرى ، كبيرة حدا يصعب معه الوصف ، حيث تتراص الطاولات ، و تمتلئ الساحة بضجيج الباعة ، و التخفيضات التي يتنافسون فيها لجر الزبائن إليهم ! و كان هذا السوق ، وجهته الدائمة أسبوعيا ليبتاع أشياء جميلة مفيدة ، و رخيصة الثمن ، و لكن ، رغم كل شيء ، كان يفتقد تلك اللذة في الخضار التي كان يجدها في بلده ! ربما ساهم إحساس الغربة في تضخيم هذا الشعور ! ربما هكذا كان ! بعيدا عن الكنيسة الكبيرة ببضع أمتار ، توجد مقبرة للنصارى ، و إنه ليتذكر أنه في إحدى الليالي ، و أثناء اكتشافه للمكان ، وجد نفسه قبالتها ، ففر هاربا مفزوعا ، غر أنه و في شدة فزعه ، كان يبيت النية على الرجوع إليها نهارا ، في اليوم الموالي أتى إليها ، دخل ، فلم يجد فزعا ، كذلك الذي يستشعره حينما كان يزور قبور المسلمين في بلاده ، لم يستشعر رائحة الموت و الفناء ، هؤلاء القوم تفننوا في تزيين قبورهم ، حتى أصبح زائرها يستأنس بها ، أو لعل إحساسه نابع عن جهل بإحساس الألمان حينما يزورون هذا المكان ، ربما كانت هذه الزخرفة ، تبعث في قلوبهم الإحساس بالموت و الوداع ، من يدري ... كان الشارع الرئيسي الذي يشق المنطقة التي اختارها سكنى له يحوي الكثير من المحلات التجارية ، من الخضار ، إلى المقاهي ، إلى بائعي الشورما اللبنانية و التركية ، إلى يهود الذهب و الإبريز ، مرورا بأكشاك بيع اللوطو و القمار و السجائر ، و كان الميترو بين هذا و ذاك ، يشق الشارع نضفين ذهابا و إيابا ، في كل ثلاث دقائق ، و يزين كل هذا الحمائم التي تعودت أن تحط فوق هذا الشارع ، كمسافر آت من مكان بعيد حط فوق مطار مأهول ، من بين المحلات التجارية التي كان يرتادها قبل أن يحترف مهنة الطبخ في بيته ، مطعم للأكلات اللبنانية ، حيث تعرف على مأكولات هذا البلد لأول مرة ، و أغرم به ، و هناك اكتسب معارف جددا و كان الألمان من المتوافدين على هذا المطعم الصغير يبدون إعجابهم بالأكلات الشرقية ، ما يدر ربحا ماديا هاما على صاحب المحل ، و الذي يشغل صاحبه ، أناسا من جنسيات عربية مختلفة ، المهم ، كان ذلك المطعم وجهته الخاصة للأكل ، و للأكل فقط ، رغم معرفته بأناسه ، و زبنائه في زاوية الشارع يقبع المسجد التركي الكبير ، و الذي يعتبر الملاذ الثاني ن أو لنقل الموطن الثاني لمآت الأتراك ، تقبع الراية التركية فيه فوق المحراب باتجاه القبلة ، و يغرق في بدع كثيرة ، سيذكرها فيما بعد في موطن آخر و في وسط الشارع ، تعرف على محل سايبر كافي ، و في نفس الوقت كان يحوي مخادع هاتفية ، اكتشفه بالقدر يوما ، حينما توجه إلى الهاتف من أجل التكلم مع أقربائه لدقائق يبتلع خلالها الجهاز ما بجيبه من نقود ، ليعود إليه فيما بعد محملا بمثلها أو أكثر من الأوروهات ليودعها فيه مقابل كليمات ، كمن يقايض جوعه بشيئ ثمين ، حين انتهائه من المكالمة ، أشار له صاحب المحل أن تعال ، فاقترب منه و سأله بالألمانية :

    ـــ عذرا هل تعرفني يا سيدي ؟ فأجابه بلهجة لبنانية فهم أغلبها :

    -كلا ، و لكني أراك دوما هنا ، من أي البلاد أنت ليجيبه هو بلهجة مصرية :

    -إيه اللي جابك من لبنان على هنا يا عم ، سايب لبنان ، و الجو الجميل ، و جي هنا تعمل إيه

    ـــ ما شاء الله ، مصري ، يا أهلا و سهلا ، أجدع ناس ــ ربنا يكرمك ـ تشتغل ؟

    ــ لسه ، بس بادور ، عالعموم مش هاقدر أشتغل ، إلا لما أبتدي جامعة

    ــ طيب تشتغل معايا ؟

    ــ ربنا يسهل ، اسم حضرتك إيه ؟

    ــ حسن !

    ــ عاشت الأسامي ، أنا يعقوب ، مهدي يعقوب ـ أهلا و سهلا

    ـ أهلا بيك ــ يعني اتعودت شوية على جو ألمانيا ؟

    ــ يعني ...

    ــ بس ما فيش مساجد للشيعة هنا للأسف

    ـ شيعة ؟ يعني إيه شيعة !

    ــ شيعة آل بيت النبي !

    ــ طب عن إذنك ، ورايا مشوار إن شاء الله نتقابل بعدين و ذهب ، تجره خطواته ، و كلمة شيعة تتردد في ذهنه ، و هو يحاول فهم ما قاله ذلك الرجل اللبناني ، و إنه ليعترف أنه لم يسمع بتلك الكلمة من قبل و لا قرأ عنها ، فعرف تقصيره ، و اكتشف تهاونه في الإطلاع ، لأنها بدون شك إحدى الفرق التي تنتسب للإسلام ، و جهلها يعني الجهل بأحد الطرق التي يمكن أن تودي به في الأخير إلى الهاوية ، كان ذلك اللقاء هو الأول له بالطرف الآخر ، الذي ما سمع عنه إلا اليوم ، ذهب تجره قدماه ! شعر ببعض الخوف ، لسبب واحد ، أنه في غد على موعد مع مركز الهجرة و المهاجرين من أجل الحصول على وثيقة الإقامة البينية على الأراضي الألمانية ، و كان مجرد التفكير في الأمر ، يجلب له عسر الهضم ... في غد : شرطة الهجرة ، الوجه الآخر لألمانيا

    إلى الأعلى