الطريق إلى لوفتهانزا 5
ـ ابتسم و الدموع في عينيه ، و ودعه ! كأنه رجل يعرفه منذ زمن ، استأنس له ، كلمه ، شاركه الحديث ! هكذا في دقائق ، كون صداقة جميلة !

انتظر حتى دخل مع آخر المسافرين إلى الطائرة ، أعطى المظيفة ورقة سفره ، و دخل إلى الممر الذي يربط دور المطار بالطائرة ، أحس برعشة غريبة ، لا بد أنها رعشة الرهبة من هذا الشيء المسمى طائرة ، تثاقلت خطواته ، حتى استعجلته المظيفة في باب الطائرة ، أمسكت ورقة سفره ، ثم قالت :
ـ هل أنت خائف ؟ خاطبته بالألمانية ، كانت مظيفة ألمانية في منتصف الأربعينات ! فاجأته اللغة الألمانية التي خرجت من فيها ، لغة لم يسمعها إلا في قنوات الدولة الألمانية على الساتل ، فتلعثم ، ثم قال :
ـ أوه أبدا ، إنما هي المرة الأولى التي أطير فيها في حياتي !
ـ حسنا ، لا تقلق ، أنا هنا ، لن تشعر بالخوف أنا متأكدة ، السفر بالطائرة شيء ممتع ! ـ شكرا جزيلا لك سيدتي !
ـ إسمي هولغا هيرتسبيرغ !
ـ و أنا مهدي ـ مهدي يعقوب ، شكرا سيدة هولغا ، تشرفت بمعرفتك .
ـ هيا ادخل و اذهب إلى مقعدك ، هناك وسط الطائرة إلى جانب النافذة !
ـ حسنا
ذهب إلى مقعده ، جلس ، و أتى بالأذكار و الشهادتين ، أرهبه ذلك المنظر حقا ، يا لضخامة هذا الجهاز ، غير أنا كانت طائرة جيدة الصنع و كانت شركة لوفتهانزا من الفخامة بمكان ، كانت مقاعد الدرجة الإقتصادة مريحة جدا ، مصنوع غطاؤها الخارجي من الجلد ، مع نسبة مساحة مريحة للقدمين بالنسبة للمقعد التالي ! ربط حزام الأمان ، و نظر إلى أرض المطار ، آخر أرض ستقع عينه عليها من أرض بلاده أرضا ، أغمض عينيه ، و دعا ربه في قلبه أن يسلم قلبه ، و أن ييسر أمره ، دعاه من كل قلبه أن يرضى عنه ، فهو في هذه الدنيا لا يروم إلا ذلك ! تذكر والده ، والدته ، إخوته ، فأحس بحرارة في دواخله ، الأسرة ذلك العالم الجميل جدا ! أصدقاؤه ، اصحاب دراسته ، أطفال حيه ، لعبه ، لهوه ، كتبه ، لحظات خلوته ، كل الوحوه التي قابلها في حياته ، كل هذا ، هجم عليه هجمة المرتد داخل الطائرة ، حتى أحس بنوع من الشفقة على نفسه ، أغمض عينيه مرة تانية ، محاولا أن يتخيل حياته هناك في تلك البلاد البعيدة ، عن الأشياء و المصاعب التي ستقابله هناك ! قطع حبل تفكيره صوت ربان الطائرة ، يخبر الركاب أنهم جاهزون للإقلاع ، و أن الطائرة ستتحرك بعد دقائق قليلة بعد أخد موافقة مركز المراقبة بالمطار ، و بالفعل لم تلبث الطائرة أن تحركت شيئا فشيئا على أرض المطار ، و ذهبت في اتجاه مستقيم بالسرعة نفسها ، سرعة قليلة نسبيا ! كان قلبه تتسارع دقاته ، و بان الإرتباك في وجهه ، فخاطبه رجل مغربي يميل سنه إلى الهرم قائلا :
هل هذه أول مرة تطير فيها ؟
ـ نعم سيدي ، أجابه بارتباك
ـ لا تقلق ، يمكن أن يسبب لك الصعود و الهبوط إزعاجا ، و لكن سترى أنه و فوق السماء لن تشعر بشيء على الإطلاق تمام كأنك فوق الأرض في حافلة للنقل !
لم يدر ، هل أراد هذا الشيخ الهرم تهدئته فعلا و التخفيف من ارتباكه أم أراد أن يزيد منه فأجابه بابتسامة لا تدل على شيء :
ـ شكرا لك سيدي
ـ لا عليك ، انظر ، ستدور الطائرة الآن إلى اليسار ، و تستقر ثم ترتفع سرعتها حتى تبلغ سرعة كبيرة ليتم الإقلاع .
و فعلا كان ما قال الشيخ ، ضاعفت الطائرة الضخمة التي تحمل على متنها حوالي ١٥٠ راكبا سرعتها حتى أحس بالسرعة تجري في بطنه ، بل لم يعد يحس بما في بطنه تماما ، و انبعث القرآن من فيه بشكل أوتوماتيكي ، و شد بأيديه على مقعده في مشهد يثير الضحك ، ثم أحس بنفسه يرتفع شيئا فشيئا ، و رأى من خلال النافذة أرض المطار تبتعد ، و الطائرة تخترق عباب السحاب الذي كان مسيطرا على مدينته ذلك اليوم ! بقيت إشارات ربط الأحزمة مشتعلة لفترة ، و الطائرة لا نزال تخترق الجو مثل الصاروخ ، لتستقر أفقيا بعد ذلك ، و تختفي شارة ربط الأحزمة ، و أحس فعلا أن الأمر لا يختلف كثيرا عن السيارة ! نظر عبر نافذة الطائرة ، و رأى منظرا جذابا ، كومة من السحاب كبيرة تشبه سريرا عملاقا كبيرا ، و فوقها الشمس و الطائرة بينهما ، شيء جميل جدا ، و سبح الله كثيرا ، حتى أخبرهم الربان على أي مسافة يحلقون ، و درجة حرارة الخارج ، فحمد الله على نعمه !
كانت الرحلة ذاهبة إلى مطار فرانكفورت ، ليكمل بعدها رحلته هو في طائرة أصغر إلى مطار مدينة هانوفر ، و هي المدينة التي فيها سيقطن !
لم ينم بالليل ما يكفي من أجل أن يرتاح بدنه ، فأحس بسلطان النوم يداعب جفنيه ، استسلم له سعيدا ، خاصة و أنه جالس فوق مقاعد مريحة فعلا ، سيتبين له فيما بعد ، حينما يدمن ركوب الطائرات ، أن هذه الشركة من أفخم شركات الطيران في العالم ، استسلم للنوم ، و راح فيما يشبه التخذير !
استفاق على صوت المظيفة هولغا تناديه :
ـ سيد مهدي ، سيد مهدي
فتح عينيه ، و ابتسم في وجهها أن : نعم :
ـ ماذا تحب أن تأكل يا سيدي ؟ هناك لحم ، و هناك دجاج ، و كلا اللحمين مذبوح حسب الطريقة الإسلامية حلال !
ـ أختار اللحم من فضلك !
ـ تفضل !
ـ شكرا سيدتي !
كانت الوجبة لذيذة فعلا ، لحم مطهو بطريقة أوروبية ، خضر ، قطعة خبز و بعض الجبن الألماني ! مع عصير عنب أسود ! و كان لأول مرة يتذوق عصير عنب أسود ، ليحبه حد الغرام منذ تلك اللحظة ! و الحق أنه كان جائعا تلك اللحظة ! أكل ، حتى شبع ، غير أنه لم يترك شيئا في الطبق ، انهال عليه كما ينهال المحارب على فريسته ، لا يذرها إلا قاعا صفصفا !
كانت الشمس تميل إلى المغيب شيئا فشيئا ، لقد نام مدة طويلة ، و الحق أنه سر بنومه ، فعلى الأقل لم يحس بالضغط الجوي الذي جعل الطائرة تهتز هزا عنيفا ، الشيء الذي تسبب في ذعر الركاب ، و قد أخبره جاره في الطائرة بهذا ! فسر فعلا أنه كان في قبضة سلطان النوم !
كانت ساعة من الزمن تفصل الطائرة على الدخول إلى أجواء ألمانيا ، ساعة قضاها في الرسم و الكتابة ، و اللعب مع طفل صغير ألماني ، لم يجد متعته إلا في اللعب معه هو ، و بقي كذلك إلى أن أخبر الربان أن الطائرة في حالة هبوط و أن على الركاب أن اتخاذ أحزمتهم استعدادا ، بدأت أرض مطار فرانكفورت تظهر للعيان شيئا فشيئا ، و هاله ما رأى من شساعة المطار و كبره ، مطار لا يقارن بمطار مدينته هو الذي حسبه كبيرا ، فهان في عينيه الآن حد الإحتقار ، و كانت هذه أولى المقارنات التي سقط في فخها حينما اقترب من أرض ألمانيا ، مقارنات ستجر وراءها مقارنات ، مؤلمة بشكل ، غير صحي… و هكذا كان …
الحلقة المقبلة : مطار فرانكفورت ، جوهرة الطائرات
طاقم مدونة الأدب
ـ ابتسم و الدموع في عينيه ، و ودعه ! كأنه رجل يعرفه منذ زمن ، استأنس له ، كلمه ، شاركه الحديث ! هكذا في دقائق ، كون صداقة جميلة !
انتظر حتى دخل مع آخر المسافرين إلى الطائرة ، أعطى المظيفة ورقة سفره ، و دخل إلى الممر الذي يربط دور المطار بالطائرة ، أحس برعشة غريبة ، لا بد أنها رعشة الرهبة من هذا الشيء المسمى طائرة ، تثاقلت خطواته ، حتى استعجلته المظيفة في باب الطائرة ، أمسكت ورقة سفره ، ثم قالت :
ـ هل أنت خائف ؟ خاطبته بالألمانية ، كانت مظيفة ألمانية في منتصف الأربعينات ! فاجأته اللغة الألمانية التي خرجت من فيها ، لغة لم يسمعها إلا في قنوات الدولة الألمانية على الساتل ، فتلعثم ، ثم قال :
ـ أوه أبدا ، إنما هي المرة الأولى التي أطير فيها في حياتي !
ـ حسنا ، لا تقلق ، أنا هنا ، لن تشعر بالخوف أنا متأكدة ، السفر بالطائرة شيء ممتع ! ـ شكرا جزيلا لك سيدتي !
ـ إسمي هولغا هيرتسبيرغ !
ـ و أنا مهدي ـ مهدي يعقوب ، شكرا سيدة هولغا ، تشرفت بمعرفتك .
ـ هيا ادخل و اذهب إلى مقعدك ، هناك وسط الطائرة إلى جانب النافذة !
ـ حسنا
ذهب إلى مقعده ، جلس ، و أتى بالأذكار و الشهادتين ، أرهبه ذلك المنظر حقا ، يا لضخامة هذا الجهاز ، غير أنا كانت طائرة جيدة الصنع و كانت شركة لوفتهانزا من الفخامة بمكان ، كانت مقاعد الدرجة الإقتصادة مريحة جدا ، مصنوع غطاؤها الخارجي من الجلد ، مع نسبة مساحة مريحة للقدمين بالنسبة للمقعد التالي ! ربط حزام الأمان ، و نظر إلى أرض المطار ، آخر أرض ستقع عينه عليها من أرض بلاده أرضا ، أغمض عينيه ، و دعا ربه في قلبه أن يسلم قلبه ، و أن ييسر أمره ، دعاه من كل قلبه أن يرضى عنه ، فهو في هذه الدنيا لا يروم إلا ذلك ! تذكر والده ، والدته ، إخوته ، فأحس بحرارة في دواخله ، الأسرة ذلك العالم الجميل جدا ! أصدقاؤه ، اصحاب دراسته ، أطفال حيه ، لعبه ، لهوه ، كتبه ، لحظات خلوته ، كل الوحوه التي قابلها في حياته ، كل هذا ، هجم عليه هجمة المرتد داخل الطائرة ، حتى أحس بنوع من الشفقة على نفسه ، أغمض عينيه مرة تانية ، محاولا أن يتخيل حياته هناك في تلك البلاد البعيدة ، عن الأشياء و المصاعب التي ستقابله هناك ! قطع حبل تفكيره صوت ربان الطائرة ، يخبر الركاب أنهم جاهزون للإقلاع ، و أن الطائرة ستتحرك بعد دقائق قليلة بعد أخد موافقة مركز المراقبة بالمطار ، و بالفعل لم تلبث الطائرة أن تحركت شيئا فشيئا على أرض المطار ، و ذهبت في اتجاه مستقيم بالسرعة نفسها ، سرعة قليلة نسبيا ! كان قلبه تتسارع دقاته ، و بان الإرتباك في وجهه ، فخاطبه رجل مغربي يميل سنه إلى الهرم قائلا :
هل هذه أول مرة تطير فيها ؟
ـ نعم سيدي ، أجابه بارتباك
ـ لا تقلق ، يمكن أن يسبب لك الصعود و الهبوط إزعاجا ، و لكن سترى أنه و فوق السماء لن تشعر بشيء على الإطلاق تمام كأنك فوق الأرض في حافلة للنقل !
لم يدر ، هل أراد هذا الشيخ الهرم تهدئته فعلا و التخفيف من ارتباكه أم أراد أن يزيد منه فأجابه بابتسامة لا تدل على شيء :
ـ شكرا لك سيدي
ـ لا عليك ، انظر ، ستدور الطائرة الآن إلى اليسار ، و تستقر ثم ترتفع سرعتها حتى تبلغ سرعة كبيرة ليتم الإقلاع .
و فعلا كان ما قال الشيخ ، ضاعفت الطائرة الضخمة التي تحمل على متنها حوالي ١٥٠ راكبا سرعتها حتى أحس بالسرعة تجري في بطنه ، بل لم يعد يحس بما في بطنه تماما ، و انبعث القرآن من فيه بشكل أوتوماتيكي ، و شد بأيديه على مقعده في مشهد يثير الضحك ، ثم أحس بنفسه يرتفع شيئا فشيئا ، و رأى من خلال النافذة أرض المطار تبتعد ، و الطائرة تخترق عباب السحاب الذي كان مسيطرا على مدينته ذلك اليوم ! بقيت إشارات ربط الأحزمة مشتعلة لفترة ، و الطائرة لا نزال تخترق الجو مثل الصاروخ ، لتستقر أفقيا بعد ذلك ، و تختفي شارة ربط الأحزمة ، و أحس فعلا أن الأمر لا يختلف كثيرا عن السيارة ! نظر عبر نافذة الطائرة ، و رأى منظرا جذابا ، كومة من السحاب كبيرة تشبه سريرا عملاقا كبيرا ، و فوقها الشمس و الطائرة بينهما ، شيء جميل جدا ، و سبح الله كثيرا ، حتى أخبرهم الربان على أي مسافة يحلقون ، و درجة حرارة الخارج ، فحمد الله على نعمه !
كانت الرحلة ذاهبة إلى مطار فرانكفورت ، ليكمل بعدها رحلته هو في طائرة أصغر إلى مطار مدينة هانوفر ، و هي المدينة التي فيها سيقطن !
لم ينم بالليل ما يكفي من أجل أن يرتاح بدنه ، فأحس بسلطان النوم يداعب جفنيه ، استسلم له سعيدا ، خاصة و أنه جالس فوق مقاعد مريحة فعلا ، سيتبين له فيما بعد ، حينما يدمن ركوب الطائرات ، أن هذه الشركة من أفخم شركات الطيران في العالم ، استسلم للنوم ، و راح فيما يشبه التخذير !
استفاق على صوت المظيفة هولغا تناديه :
ـ سيد مهدي ، سيد مهدي
فتح عينيه ، و ابتسم في وجهها أن : نعم :
ـ ماذا تحب أن تأكل يا سيدي ؟ هناك لحم ، و هناك دجاج ، و كلا اللحمين مذبوح حسب الطريقة الإسلامية حلال !
ـ أختار اللحم من فضلك !
ـ تفضل !
ـ شكرا سيدتي !
كانت الوجبة لذيذة فعلا ، لحم مطهو بطريقة أوروبية ، خضر ، قطعة خبز و بعض الجبن الألماني ! مع عصير عنب أسود ! و كان لأول مرة يتذوق عصير عنب أسود ، ليحبه حد الغرام منذ تلك اللحظة ! و الحق أنه كان جائعا تلك اللحظة ! أكل ، حتى شبع ، غير أنه لم يترك شيئا في الطبق ، انهال عليه كما ينهال المحارب على فريسته ، لا يذرها إلا قاعا صفصفا !
كانت الشمس تميل إلى المغيب شيئا فشيئا ، لقد نام مدة طويلة ، و الحق أنه سر بنومه ، فعلى الأقل لم يحس بالضغط الجوي الذي جعل الطائرة تهتز هزا عنيفا ، الشيء الذي تسبب في ذعر الركاب ، و قد أخبره جاره في الطائرة بهذا ! فسر فعلا أنه كان في قبضة سلطان النوم !
كانت ساعة من الزمن تفصل الطائرة على الدخول إلى أجواء ألمانيا ، ساعة قضاها في الرسم و الكتابة ، و اللعب مع طفل صغير ألماني ، لم يجد متعته إلا في اللعب معه هو ، و بقي كذلك إلى أن أخبر الربان أن الطائرة في حالة هبوط و أن على الركاب أن اتخاذ أحزمتهم استعدادا ، بدأت أرض مطار فرانكفورت تظهر للعيان شيئا فشيئا ، و هاله ما رأى من شساعة المطار و كبره ، مطار لا يقارن بمطار مدينته هو الذي حسبه كبيرا ، فهان في عينيه الآن حد الإحتقار ، و كانت هذه أولى المقارنات التي سقط في فخها حينما اقترب من أرض ألمانيا ، مقارنات ستجر وراءها مقارنات ، مؤلمة بشكل ، غير صحي… و هكذا كان …
الحلقة المقبلة : مطار فرانكفورت ، جوهرة الطائرات
طاقم مدونة الأدب
