728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    و انقطعت وشائج القرابة ~ياسين أيت كلثومة~

    حل هلال شهر رمضان العظيم ذات ليلة شديدة الحلكة، معلنا بداية تهافت المسلمين على الخيرات و فعل الطيبات، فحلت أيضا أعراض تعب على عم «أنور» في ذات الليلة معلنة بداية تهافت شتى السقام و الأمراض على جسمه الواهن الضئيل.


    image



    كان السيد «حسن» يقطن بالمدينة التي تتكئ على قرية الصبي «أنور»، و كان ميسور الحال إلى حد ما، فقد اشتغل لفترة ليست باليسيرة كنادل في إحدى المطاعم بديار الغربة ب"مارسيليا" تحديدا في تلك المدينة التي تتخذ موطنا لها بجنوب فرنسا، لكن غناه المادي بعد إحالته على التقاعد لم يزده سوى فقر مدقع في الأخلاق و المبادئ التي كان يعتنقها و يؤمن بها، فصار أكثر تبخترا و أشد شحا، حتى انقطعت بين الأسرتين وشائج الصلة و القرابة التي تحتم الزيارات المتبادلة بين الأهل، حتى صاروا كالغرباء لا تربط بين سبلهم سوى بضع مناسبات موسمية بسيطة لا تدوم إلا كما يدوم توهج البرق في السماء قبل أن يسحب سوطه البراق و يختفي بين أحضان السماء !
    ما أصعب أن يصبح بعض أفراد العائلة غرباء عن بعضهم البعض لا تجمع بينهم سوى رابطة الدم و النسل !
    بقيت علاقة أسرة «أنور» مع عمه مشحونة و مشوبة بالتوتر و النزاعات، حتى امتدت جذورها إلى ما بين الأبناء العمومة الذين كانوا يبغضون بعضهم البعض لا لشيء سوى أن والديهما في صراع دائم... حتى أودى الحال بالجد العجوز «صالح» إلى دوامة من المشاكل التي لا يحصرها عد، فبالأمس كان يحاول أن يصلح شيئا من العلاقة التي تربط بين ابنيه «الزبير» (والد أنور) و «حسن» فإذا بالمشكلة تطال حفيديه أيضا... بعض المشاكل تستفحل من حيث يريد المرء أن يصلحها.

    ظلت الأمور على حالها سنينا طوالا، إلى ذات أصيل في يوم غائم مضطرب يتذيل الأسبوع الأول من شهر الصيام العظيم، كسرت فيه رنات الهاتف سكون البيت القروي ليرفع «الزبير» السماعة فإذا به يسمع من الطرف الآخر صوتا مرتجفا يتكلم من الحاضرة:
    - " مساء الخير "
    - "مساء الخير، من المتصل؟"
    - "أنا «مروان» ابن أخيك، إن علة ما حلت بوالدي، و هو طريح السرير منذ عدة أيام و لعله يحتضر في فراشه الآن..."
    - "يا إلهي !حفظه الله من كل مكروه أو شر قد يصيبه، سوف نكون هناك بجانب والدك غدا صباحا بمشيئة الله، إلى ذلك الحين اعتني بوالدك جيدا و لا تزعج أمك هي الأخرى كفاها مصيبة مرض زوجها، حسنا أستودعك الله الآن، بلغ والدك تحياتي و دعواتي..."
    - "حسنا، إلى اللقاء... يا عمي..."
    و انقطع خط الاتصال القصير الذي شكل منعطفا حاسما في حياة الوالد القصيرة أو بالأحرى نهايتها.
    وضع الوالد هاتفه على مائدة الطعام في البهو التقليدي البدوي، و انطلقت خطواته ناحية الفناء حيث كانت زوجته "حياة" تغزل صوفا و يتدلى من تحت كفيها معطفا صوفيا دافئا يميل لونه إلى الكستنائي الفاتح الذي يعشقه ابنها البكر«زياد»، هرع إليها زوجها و هو يلهث ثم أخذ ينطق بصوت متقطع مسترسل:
    - لقد اتصل ... ابن أخي «مروان» ... و أخبرني عبر أسلاك الهاتف أن والده ... يحتضر على فراش الموت...
    - لا إله إلا الله، خيرا إن شاء الله، أرجو ألا يصيبه مكروه... فلنعجل بوصل زيارتنا له قبل أن يتخطفه شبح الموت
    - تماما هذا ما كنت على وشك قوله لك، سأحزم أمتعتي حالا، و لا تنسي أن توظبي بدورك حقائبك فور انتهائك من غزلك عسى أن ننطلق في الغد عند الفجر صوب الحاضرة...
    - حسنا ها أنا ذا، لكن ماذا عن الحاج "صالح" و ابننا "أنور" أ لن نصطحبهما؟
    - كلا، يستحسن أن نذهب أنا و أنت فقط الآن ثم نخبرهم بأن والدي و ابني سيلحقان بنا، حتى لا يضيقوا بنا ذرعا جميعا لا سيما و أنني أتصور أن بيتهما صار قبلة و محجا لكل أصدقاء عائلة أخي قاطبة...
    - قرار صائب و فكرة وجيهة زوجي العزيز كما اعتدت منك دوما...
    كان «الزبير» ليبتسم جراء تعليق زوجته لولا أن ذلك الموقف لم يكن يسمح للابتسامة بأن تسلك أي سبيل إلى شفتيه، و حتى زوجته لم تكن تنتظر منه مكافأة على ثنائها بابتسامة فقد كانت أكثر تعقلا من ذلك، لكنها كانت فحسب تحاول أن تلطف بعذوبة حديثها الأجواء المشحونة بالقلق التي كان يمر بها زوجها أمام ناظريها...

    دلف الشيخ "صالح" و هو يأخذ بيده كف حفيده الصغير لما أوشكت الشمس على المغيب و أخذت أجنحة العتمة تسود الكون الفسيح، ، بعد أن انطلق صوت آذان المغرب ليملأ فضاء القرية الرحب بكلمات عذبة رقيقة تطرب الآذان، و قد كان الاثنان منذ الأصيل يجولان و يرتعان معا في بستان الشيخ العجوز، الذي يطل عليه باب بيتهم المتواضع...
    و ما إن تحلق الجميع حول مائدة الإفطار حتى أطلع الزبير والده بما بلغه من خبر مرض «حسن»، و نيته في التوجه لزيارته برفقة زوجته إلى حين التحاقه هو و حفيده بعد بعد يوم أو يومين...
    وافق الشيخ العجوز على مضض، بعد استبد به الخوف من أن يفقد ابنه قبل أن يغفر بعضهما لبعض مدى الخطايا التي اقترفها كل منهما في حق الآخر...

    عند حلول الفجر في اليوم التالي و تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود في الأفق النائي، بعد أن تناولوا جميعا وجبة السحور، كان «الزبير» قد انطلق صحبة زوجته صوب موقف سيارات الأجرة الكبيرة من نوع "لاند روفر"، و ساروا بخطى متمهلة حينا و طورا بخطوات متعجلة، بين الحشائش التي تتناثر على تربة يميل لونها إلى الأحمر، كانت تلك النوعية الخصبة من التربة هي التي تغلف سطح أرض القرية النائية...
    و أخيرا وصل الاثنان إلى مكان أشبه بشارع لكنه ليس بشارع إنما فقط مسلك منبسط قد أخلي من النبات و الأعشاب التي كانت تفترشه بشموخ، و أزيحت الحصى و الحجارة من فوق ظهره، هكذا كان يبدو ذلك الطريق الرئيسي الوحيد و الأوحد الذي كان يخترق تلك القرية ليربطها بالحاضرة التي تستند عليها...
    دفع «الزبير» ورقة نقدية و بضع دريهمات إلى السائق ليستلم منه تذكرتين يبدو أنهما كانا لرحلة إلى الآخرة و ليس إلى المدينة، امتطيا السيارة على عجل بعد أن أودعوا حقائبهما في صندوق الأمتعة الذي يتذيل تلك المركبة...
    انطلقت السيارة أخيرا بعد أن امتلئت عن آخرها بركاب يعدون ستة على رؤوس الأصابع، بمن فيهم «الزبير» و «حياة»، علا صوت أزيز المحرك ليصك آذان الركاب و يقطع سكون قرية لا زالت تغط في نوم عميق، أخذت عجلات السيارة باللف و الدوران و هي تسير على مهل، مد السائق سبابته اليمنى ليدير مفتاح المذياع، فانبعث منه صوت متحشرج مخنوق سرعان ما اعتدل بعد أن ضبط السائق تردد الإذاعة...
    كان السائق هادئا لا يتحدث إلى أحد قطعا، و لم يكن أحد يحادث أحدا من المسافرين أبدا ، الكل كان واجما، و كل فرد منهم يحمل عبئا على عاتقه أو غما في قلبه، كانت «حياة» تجلس في المقعد الذي يحاذي الزجاج خلف المقعد الذي بجوار السائق، و تتكئ برأسها -الذي يلفه غطاء عاجي اللون- على كتف زوجها الذي يقعد بمحاذاتها و قد أخذ بها الجوع و العطش كل مأخذ، بينما كان على الطرف الأيسر شابان في مقتبل العمر لا يبدو أنهما يعرفان بعضهما، و بجوار السائق ثمة زوجان يبدوان في عقدهما الرابع.
    أخذ «الزبير» يربت على رأس زوجته الحبيبة المتكئة على كتفه بحنان بالغ، و هو يجول بناظريه في فضاء القرية عبر زجاج النافذة، كان المنظر ساحرا خلابا، لكنه لم يكن يثير دهشة و إعجاب «الزبير»، فقد سئم من تأمل تلك الجبال الرواسي التي كانت تقف بتعال و كبرياء على الطرف الأيسر من ذلك المسلك الوعر الذي كان يمتد على طول بطن ذلك الجبل الشامخ، و قد ملت مقلتا عينيه أيضا من ذلك السفح و المنحدر الذي كانت تطل عليه الضفة اليمنى من المسلك، لكن «الزبير» كان في كل مرة يمعن فيها النظر من زجاج نافذة السيارة إلى سفح الجبل و ينقل نظره بين الأشجار التي تتناثر هناك كقطع شطرنج، يتملكه إحساس خفي يشبه إلى حد ما خوفا لكنه ليس كذلك، بل ربما كان شعورا بالضعف و الرهبة أمام سلطان الطبيعة الفذة التي أبدعها الإله القدير، حقا إن الإنسان ضعيف و ليس بوسعه صنع شيء بلا توفيق من العلي العظيم...
    و على حين غرة استدارت السيارة بسرعة عند إحدى المنعطفات التي تتخلل ذلك المسلك، فذهل السائق و معه الركاب بشاحنة قادمة من الجهة المقابلة تحمل في صندوقها الذي تجره خلفها، أكياس إسمنت فاستبد بهم الجزع و الهلع، و بما أن الطريق كان ضيقا بالكاد يتسع لسيارة أو شاحنة واحدة فقط، فلم يكن ثمة أي سبيل سوى محاولة السائق التنحي إلى أقصى اليمين و كبح جموح سيارته الثائرة، فأفلح في أن يتفادى الاصطدام بمقدمة الشاحنة و لو أن الركاب كانوا يتمايلون في حضن السيارة ذات اليمين و ذات الشمال، لكن سرعة السيارة لم تسنح لها بفرصة التوقف المباشر بعد أن ضغط سائقها على المكابح بكل ما أوتيت قدمه من قوة، فزلت عجلتها الأمامية من على حافة المسلك الوعر لتميل بكل ثقلها نحو... الهاوية.

    تلقى «صالح» خبر نعي ابنه و كنته في المساء من قبل مصالح الأمن، بذهول باد و صدمة قاسية، و رغم الثبات الذي حاول إبداءه أمام رجل الأمن، إلا أنه انخرط في موجة عارمة من الدموع، فتناهى الخبر عبر الأثير إلى أذني «أنور» ليخر مشدوها مصعوقا من هول الخبر، فهوى بجسده الصغير إلى أرضية البيت التي انتفضت تربتها من حرارة مشاعر الطفل المنكسرة، و انسكبت الدموع الحارة من مآقي الصبي بغزارة، كما لو كانت أمطارا تهطل من عيون غيوم تلوح للرائي من السماء...
    فشفي المريض من سقمه صباح اليوم التالي، و حضر مكرها لمراسيم جنازة أخيه و زوجته اللذين وافتهما المنية حينا كانا يهمان بعيادته، و قام بتعزية والده و ابن أخيه كأنهما وحدهما أهل الفقيدين، و قد كانا فعلا كذلك، و أخذ يرثي على مسمع من والده و الحاضرين أخاه محاولا إبداء بعض الحزن المبتذل، و لكن ما كان لرثاء ميت أو البكاء عليه أن يبعثه من مرقده و ينفخ فيه روحا قد ارتقت إلى السماء و فارقت جسدا قد سكنته ردحا من الزمن...



    طاقم مدونة الأدب
    إلى الأعلى