كانت علاقته بالشرطة في بلده ، تماما كعلاقته بطبيب الأسنان ، لا يعوده إلا في أشد الدرجات ضرورة ، لم يكن يحب التحدث إلى رجال الشرطة ! ليس حكما استباقيا ، و لكنه لم يحب ذلك يوما ! كانت صورة رجل الشرطة في باله باعثا على التسلط ، و القوة ، و القدرة على مداهمة حريات الآخرين ! فرد قائلا :

ـ أريد فقط أن أتجول في انتظار أن أصعد إلى الطائرة ، هل ممنوع هو أم لا يجوز ، و أرفق سؤاله بابتسامة تحد ..
ـ ليس هناك ما يمنع ، بعد أن ختمت جواز سفرك في الداخل ، و لكن من الأفضل لك أن تبقى هنا حتى لا تتوه عن المدخل ! إلا إذا أصريت على التجوال فلا بأس !
لم يدر من أين اكتسب جرأته في ذلك الوقت ، غير أنه بادر الشرطي قائلا :
إذا تهت فأنت هنا لتدلني على المكان ! سآتي إليك ، و أنا متأكد أنك ستساعدني !
رمقه الشرطي بشيء من التعجب ، رسم ابتسامة ماكرة على وجهه ، و رد :
ـ أنت ولد ثرثار ! إلى أين وجهتك ؟
و الحقيقة أنه كان بحاجة إلى مثل هذا الحوار ، فقد أطفأ شيئا من التوثر الذي بداخله ، هو الذي لم يحدث شرطيا في حياته هكذا ، فرد بشيء من الثقة زائدة :
ـ إلى ألمانيا !
ـ أوه ، المانيا ! بلاد جميلة ! أقوى بلد في أوروبا !
ـ نعم هو ذاك !
ـ ذاهب من أجل الدراسة ؟
ـ نعم سيدي ! سأدرس هناك !
ـ و مالي أرى الحزن في عينيك ! ؟
لماذا أيها الشرطي تصر على وضع أصبعك على جراحي في أول لقاء لي بك ؟ خاطب نفسه ، ثم أجاب :
ـ لا أعلم لم سيطر علي الحزن حينما فارقت عائلتي اليوم !
ربت على كتفه برفق ، دغدغ دموعه من جديد ، فأرغمها على الصعود لولا أنه تدارك الموقف ، فقال له الشرطي بحنان :
تذكرني بشبابي يا بني ! أعلم مدى صعوبة موقفك ! ليس هينا أن تهجر عشك الذي فيه ترعرعت كل هذي السنين و تذهب بعيدا لآلاف الكيلومترات ، و تبدأ حياة جديدة ! ليس هينا على الإطلاق ! و لكن ليكن عزاؤك أنك شخص محبوب من طرب والديك ، و لولا حبهم لك ، ما كنت بهذه الأخلاق !
ـ شكرا سيدي هذا لطف كبير منك ! تعرف : لم أكن أتصور أن أقابل شرطيا بهذا اللطف !
قهقه الشرطي و أردف :
و هل الشرطي وحش ؟ الشرطي إنسان في آخر المطاف له عمل يؤديه ! و ما يفرق أفراد الشرطة هي أخلاقهم ! أعلم لماذا قلت ذلك ! لأن سمعتنا في هذه البلاد سمعة سيئة !
لم يجاريه في بوحه ، بل ساءله في غباء مصطنع :
ـ هل هذا صحيح ؟
ـ و كأنك تتغابى أيها الولد ! ألا تعرف هذا ؟
رد يعقوب في استسلام :
ـ بلى أعلم ، و يحر في نفسي هذا الشيء !
ـ اعلم يا بني أن جهاز الشرطة هو في الأخير مثل جميع القطاعات في كل أنحاء العالم ، هناك فيه الصالح و الطالح ! يحدث أحيانا أن يغلب الطالح على الصالح ، و لكن الصالح دائما هنا موجود ، ينتظر فرصته من أجل إثبات ذاته ، هكذا هي الدنيا !
ـ صحيح يا عم ! هل تسمح لي بمناداته بالعم ؟
ـ تفضل يا بني !
ـ جميل ما قلته ، و اعلم يا عمي أن الحياة كل الحياة أخلاق و قناعة !
ـ صحيح ، بارك الله فيك ! أوه يبدو أن عملية الإركاب قد بدأت للتو …
نظر صوب المدخل ، فوجد الناس مجتمعة حول المظيفة كل يريد أن يدخل أولا فأدار وجهه نحو الشرطي ضاحكا و قال :
ـ هل ترى ما أرى ؟ إنهم يحسبون أنفسهم أمام حافلات نقل المدينة ثم انفجر ضاحكا …
قال الشرطي و هو يكتم ضحكته :
صحيح ، نحن المغاربة لا نعرف معنى النظام حتى في الطائرة ! و المشكلة أن كل واحد له مقعد محدد يحمل رقمه ! فما يضرهم لو أنهم التزموا بالنظام !؟
و الحقيقة أن المسافرين المغاربة لوحدهم قاموا بهذا الفعل ، جميع المسافرين الأجانب القاعدين في بهو الإنتظار ، بقوا في مقاعدهم رغم افتتاح باب الإركاب ، الشيء الذي أشعره بالخجل فعلا ، فقال :
ـ يوما ما سيعم النظام هذه البلاد و نعود كما كنا !
ـ إن شاء الله ! هيا ، رافقتك السلامة !
مد يده إليه مصافحا ، و ربت الشرطي على ظهره بحنان و قال :
ـ إلى اللقاء يا عم ، أتمنى فعلا أن أجدك هنا حينما أعود يوما ما !
ـ سنلتقي بالتأكيد ، ابحث فقط عني ، لعلك ستحفظ قسمات وجهي أكثر مني أنا الرجل الخمسيني !
طاقم مدونة الأدب
ـ أريد فقط أن أتجول في انتظار أن أصعد إلى الطائرة ، هل ممنوع هو أم لا يجوز ، و أرفق سؤاله بابتسامة تحد ..
ـ ليس هناك ما يمنع ، بعد أن ختمت جواز سفرك في الداخل ، و لكن من الأفضل لك أن تبقى هنا حتى لا تتوه عن المدخل ! إلا إذا أصريت على التجوال فلا بأس !
لم يدر من أين اكتسب جرأته في ذلك الوقت ، غير أنه بادر الشرطي قائلا :
إذا تهت فأنت هنا لتدلني على المكان ! سآتي إليك ، و أنا متأكد أنك ستساعدني !
رمقه الشرطي بشيء من التعجب ، رسم ابتسامة ماكرة على وجهه ، و رد :
ـ أنت ولد ثرثار ! إلى أين وجهتك ؟
و الحقيقة أنه كان بحاجة إلى مثل هذا الحوار ، فقد أطفأ شيئا من التوثر الذي بداخله ، هو الذي لم يحدث شرطيا في حياته هكذا ، فرد بشيء من الثقة زائدة :
ـ إلى ألمانيا !
ـ أوه ، المانيا ! بلاد جميلة ! أقوى بلد في أوروبا !
ـ نعم هو ذاك !
ـ ذاهب من أجل الدراسة ؟
ـ نعم سيدي ! سأدرس هناك !
ـ و مالي أرى الحزن في عينيك ! ؟
لماذا أيها الشرطي تصر على وضع أصبعك على جراحي في أول لقاء لي بك ؟ خاطب نفسه ، ثم أجاب :
ـ لا أعلم لم سيطر علي الحزن حينما فارقت عائلتي اليوم !
ربت على كتفه برفق ، دغدغ دموعه من جديد ، فأرغمها على الصعود لولا أنه تدارك الموقف ، فقال له الشرطي بحنان :
تذكرني بشبابي يا بني ! أعلم مدى صعوبة موقفك ! ليس هينا أن تهجر عشك الذي فيه ترعرعت كل هذي السنين و تذهب بعيدا لآلاف الكيلومترات ، و تبدأ حياة جديدة ! ليس هينا على الإطلاق ! و لكن ليكن عزاؤك أنك شخص محبوب من طرب والديك ، و لولا حبهم لك ، ما كنت بهذه الأخلاق !
ـ شكرا سيدي هذا لطف كبير منك ! تعرف : لم أكن أتصور أن أقابل شرطيا بهذا اللطف !
قهقه الشرطي و أردف :
و هل الشرطي وحش ؟ الشرطي إنسان في آخر المطاف له عمل يؤديه ! و ما يفرق أفراد الشرطة هي أخلاقهم ! أعلم لماذا قلت ذلك ! لأن سمعتنا في هذه البلاد سمعة سيئة !
لم يجاريه في بوحه ، بل ساءله في غباء مصطنع :
ـ هل هذا صحيح ؟
ـ و كأنك تتغابى أيها الولد ! ألا تعرف هذا ؟
رد يعقوب في استسلام :
ـ بلى أعلم ، و يحر في نفسي هذا الشيء !
ـ اعلم يا بني أن جهاز الشرطة هو في الأخير مثل جميع القطاعات في كل أنحاء العالم ، هناك فيه الصالح و الطالح ! يحدث أحيانا أن يغلب الطالح على الصالح ، و لكن الصالح دائما هنا موجود ، ينتظر فرصته من أجل إثبات ذاته ، هكذا هي الدنيا !
ـ صحيح يا عم ! هل تسمح لي بمناداته بالعم ؟
ـ تفضل يا بني !
ـ جميل ما قلته ، و اعلم يا عمي أن الحياة كل الحياة أخلاق و قناعة !
ـ صحيح ، بارك الله فيك ! أوه يبدو أن عملية الإركاب قد بدأت للتو …
نظر صوب المدخل ، فوجد الناس مجتمعة حول المظيفة كل يريد أن يدخل أولا فأدار وجهه نحو الشرطي ضاحكا و قال :
ـ هل ترى ما أرى ؟ إنهم يحسبون أنفسهم أمام حافلات نقل المدينة ثم انفجر ضاحكا …
قال الشرطي و هو يكتم ضحكته :
صحيح ، نحن المغاربة لا نعرف معنى النظام حتى في الطائرة ! و المشكلة أن كل واحد له مقعد محدد يحمل رقمه ! فما يضرهم لو أنهم التزموا بالنظام !؟
و الحقيقة أن المسافرين المغاربة لوحدهم قاموا بهذا الفعل ، جميع المسافرين الأجانب القاعدين في بهو الإنتظار ، بقوا في مقاعدهم رغم افتتاح باب الإركاب ، الشيء الذي أشعره بالخجل فعلا ، فقال :
ـ يوما ما سيعم النظام هذه البلاد و نعود كما كنا !
ـ إن شاء الله ! هيا ، رافقتك السلامة !
مد يده إليه مصافحا ، و ربت الشرطي على ظهره بحنان و قال :
ـ إلى اللقاء يا عم ، أتمنى فعلا أن أجدك هنا حينما أعود يوما ما !
ـ سنلتقي بالتأكيد ، ابحث فقط عني ، لعلك ستحفظ قسمات وجهي أكثر مني أنا الرجل الخمسيني !
طاقم مدونة الأدب
