728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    يوميات مهاجر إلى بلاد الجرمان(4) ~ مهدي يعقوب~

    كانت علاقته بالشرطة في بلده ، تماما كعلاقته بطبيب الأسنان ، لا يعوده إلا في أشد الدرجات ضرورة ، لم يكن يحب التحدث إلى رجال الشرطة ! ليس حكما استباقيا ، و لكنه لم يحب ذلك يوما ! كانت صورة رجل الشرطة في باله باعثا على التسلط ، و القوة ، و القدرة على مداهمة حريات الآخرين ! فرد قائلا :


    image



    ـ أريد فقط أن أتجول في انتظار أن أصعد إلى الطائرة ، هل ممنوع هو أم لا يجوز ، و أرفق سؤاله بابتسامة تحد ..
    ـ ليس هناك ما يمنع ، بعد أن ختمت جواز سفرك في الداخل ، و لكن من الأفضل لك أن تبقى هنا حتى لا تتوه عن المدخل ! إلا إذا أصريت على التجوال فلا بأس !
    لم يدر من أين اكتسب جرأته في ذلك الوقت ، غير أنه بادر الشرطي قائلا :
    إذا تهت فأنت هنا لتدلني على المكان ! سآتي إليك ، و أنا متأكد أنك ستساعدني !
    رمقه الشرطي بشيء من التعجب ، رسم ابتسامة ماكرة على وجهه ، و رد :
    ـ أنت ولد ثرثار ! إلى أين وجهتك ؟
    و الحقيقة أنه كان بحاجة إلى مثل هذا الحوار ، فقد أطفأ شيئا من التوثر الذي بداخله ، هو الذي لم يحدث شرطيا في حياته هكذا ، فرد بشيء من الثقة زائدة :
    ـ إلى ألمانيا !
    ـ أوه ، المانيا ! بلاد جميلة ! أقوى بلد في أوروبا !
    ـ نعم هو ذاك !
    ـ ذاهب من أجل الدراسة ؟
    ـ نعم سيدي ! سأدرس هناك !
    ـ و مالي أرى الحزن في عينيك ! ؟
    لماذا أيها الشرطي تصر على وضع أصبعك على جراحي في أول لقاء لي بك ؟ خاطب نفسه ، ثم أجاب :
    ـ لا أعلم لم سيطر علي الحزن حينما فارقت عائلتي اليوم !
    ربت على كتفه برفق ، دغدغ دموعه من جديد ، فأرغمها على الصعود لولا أنه تدارك الموقف ، فقال له الشرطي بحنان :
    تذكرني بشبابي يا بني ! أعلم مدى صعوبة موقفك ! ليس هينا أن تهجر عشك الذي فيه ترعرعت كل هذي السنين و تذهب بعيدا لآلاف الكيلومترات ، و تبدأ حياة جديدة ! ليس هينا على الإطلاق ! و لكن ليكن عزاؤك أنك شخص محبوب من طرب والديك ، و لولا حبهم لك ، ما كنت بهذه الأخلاق !
    ـ شكرا سيدي هذا لطف كبير منك ! تعرف : لم أكن أتصور أن أقابل شرطيا بهذا اللطف !
    قهقه الشرطي و أردف :
    و هل الشرطي وحش ؟ الشرطي إنسان في آخر المطاف له عمل يؤديه ! و ما يفرق أفراد الشرطة هي أخلاقهم ! أعلم لماذا قلت ذلك ! لأن سمعتنا في هذه البلاد سمعة سيئة !
    لم يجاريه في بوحه ، بل ساءله في غباء مصطنع :
    ـ هل هذا صحيح ؟
    ـ و كأنك تتغابى أيها الولد ! ألا تعرف هذا ؟
    رد يعقوب في استسلام :
    ـ بلى أعلم ، و يحر في نفسي هذا الشيء !
    ـ اعلم يا بني أن جهاز الشرطة هو في الأخير مثل جميع القطاعات في كل أنحاء العالم ، هناك فيه الصالح و الطالح ! يحدث أحيانا أن يغلب الطالح على الصالح ، و لكن الصالح دائما هنا موجود ، ينتظر فرصته من أجل إثبات ذاته ، هكذا هي الدنيا !
    ـ صحيح يا عم ! هل تسمح لي بمناداته بالعم ؟
    ـ تفضل يا بني !
    ـ جميل ما قلته ، و اعلم يا عمي أن الحياة كل الحياة أخلاق و قناعة !
    ـ صحيح ، بارك الله فيك ! أوه يبدو أن عملية الإركاب قد بدأت للتو …
    نظر صوب المدخل ، فوجد الناس مجتمعة حول المظيفة كل يريد أن يدخل أولا فأدار وجهه نحو الشرطي ضاحكا و قال :
    ـ هل ترى ما أرى ؟ إنهم يحسبون أنفسهم أمام حافلات نقل المدينة ثم انفجر ضاحكا …
    قال الشرطي و هو يكتم ضحكته :
    صحيح ، نحن المغاربة لا نعرف معنى النظام حتى في الطائرة ! و المشكلة أن كل واحد له مقعد محدد يحمل رقمه ! فما يضرهم لو أنهم التزموا بالنظام !؟
    و الحقيقة أن المسافرين المغاربة لوحدهم قاموا بهذا الفعل ، جميع المسافرين الأجانب القاعدين في بهو الإنتظار ، بقوا في مقاعدهم رغم افتتاح باب الإركاب ، الشيء الذي أشعره بالخجل فعلا ، فقال :
    ـ يوما ما سيعم النظام هذه البلاد و نعود كما كنا !
    ـ إن شاء الله ! هيا ، رافقتك السلامة !
    مد يده إليه مصافحا ، و ربت الشرطي على ظهره بحنان و قال :
    ـ إلى اللقاء يا عم ، أتمنى فعلا أن أجدك هنا حينما أعود يوما ما !
    ـ سنلتقي بالتأكيد ، ابحث فقط عني ، لعلك ستحفظ قسمات وجهي أكثر مني أنا الرجل الخمسيني !



    طاقم مدونة الأدب
    إلى الأعلى