
كنت دائما أرى أن الشّاعر الذي لا يعبأ بما يحدث حوله، من دمار في القيم، و الرؤى النّفسية الفلسفيّة البنّاءة، التي تروم رقيّ فكر
الإنسان، عن الحمية الجاهلية و التزام الحوار، فهذا الشّخص حانق على نفسه قبل أن يكون حانقا على أمته، الممتدّة عبر أثير الشرق، و المتطلعة دوما نحو الرقيّ في الحضارة الغربية...و لطالما بحثت عن دواوين شعرية تشفي غليلي و تحاكي ما خطته أنامل ابن رشد، في التطلع نحو استقراء موضوعي للأفكار، قبل الهجوم البائد عليها نفسيا أو قبليا أو فكريا، و لقد سرّ خاطري أيما سرور، و أنا أكتشف نفسي هوياتيا و حضاريا و أندلسيا مفاخرا تاريخ العز في أمتنا، في المجموعة الشعرية "ظمأ الموج" للأستاذة الفاضلة، ثريا لهراري الوزاني، فكأنّي بها قد كتبت من ملء غيرتها على الرّزانة و النضج الانساني و الانخراط الأسمى، في محاولة رأب صدع الأمة العربية الاسلامية، من الانشقاقات الانهزامية المتوالية التي تعتريها للأسف الشديد..و إنني لم أعثر في ألفاظها و معانيها ما يدل على التملّق أو محاباة الأضواء المنافقة، الكاشفة لعري البلادة في التسرّع في الحكم على التاريخ أو الأعراف و التقاليد.
إن المجموعة الشعرية "ظمأ الموج" التي تحتوي على "أربعة دواوين شعرية" لهي نتاج تاريخ مديد من الرؤى البناءة و التأملات الوضاءة، الكاشفة لأغوار مناقب الهادف من الكلام و البيان. ففيها من الفصاحة ما شدهت لأجله نباهتي و تأوّهت لأجل مفرداته السّامقة حصافتي، إنه ديوان يعيدنا لزمن المعتمد بن عباد و لغة زيدون و بلاط بني الأحمر، بعيدا عن التنميق و زخرفة الأغلفة أو اعتماد قوافٍ اضطرارية، تسعى الأستاذة ثريا الوزاني إلى إحياء طلل النخوة المهملة في نفوس المغاربة و كذا العرب.
كي لا ينجروا لحداثة مشينة و راديكالية..حداثة تعريهم من قيمهم، و تجعلهم مجرد دمى، تحركها الالات الغربية حسب هواها..فجميع الناس لهم الحق في التفكير و استقراء النظريات الفكرية التقليدية منها أو الحديثة الفلسفية..لكن دون استعباد لها أو تقديس خرافي مهين..مادامت صادرة من لدن نفس بشرية عاجزة و ضعيفة غير مقدسة..و هكذا يمكننا انتقاد استيراد الأفكار و تعبئتها في عقول الناس و كأنهم ليسوا بشرا و لا حق لهم في مراجعة ما يستقبلونه من خردات غربية أفل عليها الدهر وتفل؟
إن هذه المجموعة الشعرية التقليدية الحديثة، تستحق أن تدرس للأجيال القادمة، لما حوت من المعاني السّامية الانسانية الهوياتية الأصيلة، و كذا الكونية الهادفة النبيلة..دون أي انفصام أو انفصال عن الأصالة العربية الاسلامية.
إن قصيدة "لن تركع الكبرياء" المتزامنة مع حدث العدوان الغاشم على غزة العزة سنة 2008، لهي قصيدة الشهامة المستدامة المتوخاة في نفوس العرب و المسلمين، لأنّها خاطبت الرزين من القول، كي نعيد حساباتنا فيما يخص القضية الفلسطينية المنسية و كذا علاقة غزة بالضفة الغربية و الأرض الحقيقية التاريخية التي ينبغي على الكتاب و الشعراء الاعتراف بها و ليس ما تهرطق به الأمم المتحدة البليدة ؟؟
وَا أَرْضِي الشّماء
إِنْ أَغَاضُوا نبعكِ
فَدُونَكِ دماءنا
خصْبا و مَاء
استهلت الشاعرة قصيدتها هنا، بنداء البعيد "وا" كأن من تنادي لأجله بعيد عن مرمى بصرها، و هو كذلك، لكنها متعلقة بهمّه و قضيته و هذا هو المنشود..وا أرضي الشماء وا أرض العزة ..وا أرض فلسطين الضائعة المشتتة المنسية..عودي لرشدك و محتدك..كأني بها هذا هو منشدها و مبتغاها..فرغم بعد المسافة إلاّ أنّ ذلك لم يكن حاجزا أو معيقا لانتمائنا التاريخي و غير المجزأ مع أمتنا العربية الاسلامية..و قد عقّبت الشاعرة عمن يشكك في استمرار اعترافنا بفلسطين التاريخية، فدونك دماءنا، معناها أنها رغم عدد الشهداء الذين سقطوا منذ سنة الخيبة و المذلة 1948، فإن الهمّ واحد و الإحساس واحد..
تردف الشاعرة قصيدتها بعبارات صارخة، و منادية العقول المتحجرة و الميتة في الأمة، فتقول: لَنْ نَكْتَئِبَ..لَنْ نَنْسَحِبَ..لَنْ نَغْتَرِبَ..و هذه العبارة الأخيرة هي حقيقة مرة حقا..لأن فعل الاغتراب موجود على أرض الواقع، و زاد من بؤرة توغله في قلوب الشعوب العربية الاسلامية سياسات بعض القادة العرب الذين خانوا القضية و لم يقدموا ما يشفع انتماءهم لها أي شيء يذكر للأسف الشديد..و لا ننسى قضية اللاجئين سواء الفلسطينيين منهم أو السوريين حاليا و العراقيين كذلك.
لم تنفصل الشاعرة ثريا الوزاني عن هموم وطنها الأم " مغربنا الحبيب" بل انخرطت في بناء صرح دستور رقيه المستقبلي، و ناشدت الضّمائر الحيّة، بضرورة الاحتكام للتاريخ المديد لانتماء رقعة المغرب للصحراء العزيزة، منذ قرون بعيدة، أي منذ أن وطئها أجدادنا في القرن الثامن الميلادي، و حكمها جلّ الملوك الذين توالوا على عرش المملكة المغربية طوال اثنا عشر قرنا ماضيا..فعلاقة الصحراء بالمغاربة ليست وليدة القرن العشرين و لا كنا في حاجة أبدا لغثيان الاسبان المستعمرين، كي يظهروا لنا تاريخنا..بل هي ساقنا و عضدنا و بها نسير و نرتحل عبر الصحراء الكبرى إلى محج النبي صلى الله عليه و سلم..لذلك أيقظت مشاعرنا بهذه الأبيات الفخمة الجليلة:
أَحْرَارٌ نَحْنُ مُذْ كُنّا سَوَادُ اَلْعُيُونِ وَ أَشْفَارها ***** لاَ عَنِ اَلْأَطْلَسِ وَلاَعَنْ ذَرّاتِ اَلصّحْرَاءِ تَعْزل
وَ أَمْجَادُنَا نشوى سائر في الأرجاء عرفها ****** وَ رَايَتُنَا رَضْوَى خَفّاقَةٌ نَجْمُها اَلْأَشَم لاَ يَأْفل
أَلاَ أَبْلِغُوا اَلْجَائِرِينَ عَنّا أَنّ مَغْرِبَنَا مَشَارِق ***** وَضّاءَة مَنَائِرا وَ قَلْبها منبلج لاَ يَجهل
إِنْ يَصِل عَلَيَنَا اَلْجَاهِلُون فَبِهُدَى اَلحلم نعتل ***** أعربوا أعجموا فصفنا مدرب لا يفل و لا يعجل
إنها قصيدة شنّفت أسماعنا و أعادت الروح لوطنيتنا الغرة الميمونة..
استنتاج:
إن هذه المجموعة الشعرية المتنوعة، بين قصائد وطنية و هوياتية عربية إسلامية و كونية قيمية نبيلة، لتنضح بالفصاحة و الإعجاز المبين في جل ألفاظها و كلماتها و معانيها..أراها قد حملت ما لا يطاق من الصور الشعرية و المجازات و الكنايات الموضحة و غير ذلك من السجع و الطباق و سائر الأجناس البديعية البليغة.
إن اللغة المستعملة في هذه القصائد لهي لغة معجمية رزينة و تمتح من لسان العرب و أمثال الميداني و هذا جد عادي في حصافة الأستاذة ثريا الوزاني، لأنها احتكت بميدان التعليم و تدريس الضاد لما يزين عن ثلاثة عقود من الزمن.
عمر لوريكي
شاعر و كاتب مغربي

