دخان السيجارة على غير عادته يكاد يزهق روحي
وكوب القهوة يقف جنب إلى جنب مع كل همومي كأنه لم يعد يطيق مجالستي، أي مساء هذا
الذي أبت دقائقه إلا أن تنتهي، وموسيقي "جورج وسوف'' تطرد صمت يتجول بين
طاولات المقهى، أي حياة هذه التي لا تستطيع أن تزرع فيها
ورود عشق صادق دون أن يحتاج لرشه يوميا ببعض النفاق ولا تصطاد فيها أحلاما لك دون
أن تغتصب أحلام الآخرين... أي جمال في مقهى لا يهديك بضع كلمات لتكتبها على الورقة
المستسلمة لك قضاءا وقدر. ويمنحك حرية شنق همومك بالطريقة التي تريحك بهذه الورقة
وهذا القلم. كل شيء يبدأ صغير لتقومه الأيام وتعده فيصمد أمام أمواج الوحدة وخيبات
الأمل. أو تنال منه الحياة فيغذوا بلا ذكرى أحيانا. بعد غياب طويل عن الوعي وأنا
أحدق في مرآة قريبة ليس فيها ما يثير الغرابة، سوى انعكاس مزهرية بورود أظنها غير
حقيقية. شيء ما بداخلي يقول إنني يجب أن أخرس لكني أصرخ كي لا يكمل جملته، كي لا
أخضع لسحره. هل فعلا خيبات القدر وحدها هي التي تدفعنا لأن نكتب؟ إن كان كذالك،
كيف لم أصر أكبر كاتب منذ زمن؟ ثم ما فائدة الكتابة بالنسبة لشخص مثلي؟ أي رجلا
راشد هذا الذي يعزيه بريق أحزانه حينما يقرؤه الآخرون على صفحات بيضاء وأحيانا بدم
بارد؟ أي مساء هذا الذي كان يخبئ لي كل هذه الأسئلة وكأنها دروب متاهة لا تنتهي؟
أهو عشق، هيام، غرام؟ أم هو عزاء روح ضاعت وسط الأيام فلم تعد سوى أشلاء تصلح فقط
لسد ثقوب الماضي المهترئ.
تأملت جيدا الورقة الملقاة أمامي التي تنتظر أن أنثر
فيها بعض الأحرف بترتيب معين ككل مرة. بين شهيق وزفير، وتنهد طويل حتى أنا لا أعرف
سببه. أدركت أخيرا أن الورقة تحتاج عاشق مبتدئ يبوح بكل أسراره، لم يجرب بعد قسوة
الزمان، ولم يدمى قلبه بعد. تحتاج رجلا يجيد الكذب على كل النساء، يمازح الأطفال،
لا يطرد الجن من غرفة نومه إلا قبيل الفجر. ليس مثلي وأنا الذي أثقلته هموم
اللحظات فلم تعد تصلح ذاكرته لتبني القصور ولا لتحكي القصص والخرافات. فتذكرت ليال
طوال حين كنت أكتب و أكتب الكثير، ثم أمزق كل شيء.. فأجمع من جديد قصاصات الورق ..
ولا أصل للمعني الضائع. في زحمة أفكار فاجأتني كحة تنم عن تشبع رئتي بالدخان كأنها
تحاول طرد ما علق بمخيلتي من سحر و تبعد عني بعض الهذيان، ليعلوا صوتي في المكان، فأخفض
رأسي حتى أنجوا من سهام الشفقة التي سترميني بها كل العيون التي استدارت نحوي
كأنها تبادلني العزاء في نفسي التي لم تمت بعد.
صوت ما لم أنتبه إلى صاحبه يناديني من قريب وقد أفسد علي
حوارا داخلي محتدما كدت أكون الفائز فيه على غير عادتي: عذرا سيدي إذا تأذيت من
الدخان لكن للسيجارة سلطان يفوق طاقتي، لا أستطيع الابتعاد عنه مثلما أنت لا تقدر
على مفارقة معطفك في هذا الجو البارد، لقد بت عاشق لها.
رسمت على شفتي ابتسامة رخيصة مزورة وأدرت وجهي بين
الحضور أبحث عن صاحب الصوت لأقول له أنني بخير، بخير طالما لم أزل أستطيع الصعود و
النزول عبر سلم المقهى، بخير طالما لم تفارق الروح جسدي وهذا القلب ينبض في داخلي
كدقات ساعة قديمة، تذكرني في كل حين أن الوقت قد حان لأعيش الحياة التي طالما
تمنيت. حملت حقيبتي على ظهري وحملت معها ما تبقي من أمل وأسرعت للخروج من المكان
كمسافر يخشي أن يفوته القطار.

