728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    قصة زهرة الصحراء~ بقلم سميرة بنعدي~

    الحب لا يشيب ليس له عمر أو زمان ولا مكان قد ينطفئ العمر لكن وهج الحب الصادق لا ينطفئ أبدا ولا تندشر شعلته تحت رماد الأيام, حينما يحيا الحب من جديد ويأتي نسيم العشق لتتغير الحياة وبين ستار المسرح تعرفت على رجل في الأربعين من عمره، كنا نتكلم كثيرا بالنيت وكذلك بالملتقى. كان صديقي ورفيق دربي وكنت أتحدث معه بدون خجل. لم أكن أشعر بأي شيء حتى تحولت الأشياء من أماكنها وكانت الأيام تمضي متتالية متشابهة وألوانها باهثة، ما الشيء الذي غيرني بل نال مني؟ هل من الممكن أن أحب من جديد؟ كيف ومتى؟ أشك في أمري لطرح السؤال وأبحث عن الجواب. كانت العلاقة مجرد صداقة عادية بدأت بالنقاش وتبادل الأفكار ووجهات نظر إلى أن جاء التعلق والإهتمام والتشبت بهذا الشخص الذي كان الليل قصير بوجوده وطويل بدون الكلام معه لأن الحب يفوق هذا المستوى.
    وفي يوم مشحون بالعمل ظللنا في المسرح إلى المساء وإذ ببابه يوصد ويتركني معه في ظلام الليل والخوف من داك الظلام يفتن أضلعي. لكن زال الخوف حينما ضمني إلى صدره وحضنني حضنا عميقا وازدادت دقات قلبي فزال الخوف والقلق والإرتباك ليحل مكانه الإطمئنان أحسست بدوار يقض مضجعي، تمنيت لو توقفت الساعة حتى أظل الامس إحساسه ورقته التي ظننت في لحظة انها لن تنتهي.
    ثم قال لي : أحبك.
    فقلت في نفسي الحب هو الحنان والأمان وحضن دافئ.
    فأجبته: إن حبك لي هو خمر للحياة.
    فقال: وحبك لي هو صحوتي ونور ظلمتي وسراج حياتي.
    قلت له: عشقي لك هو وتد تستند عليه قبلة يومك، كيف لم تدرك حبي لك وأنا التي جعلتك تركض بحرية في وديان غابتي البعيدة عن الكون والتي أحيا بها وحيدة بإرادتي. كيف لم تدرك حبي لك وأنا التي سمحت لك أن تدلف إلى كهفي المقدس داك الذي لم تدسه أقدام البشر يوما، لتشاركني تلاوة صلاتي كلما أتعبتني الحياة وتشاركني لحن الموسيقى في صوت صاخب لم يسمع من قبل.
    قال : نعم وكنت أركض بكل حرية وأصهل بكل عنفوان.
    مرت أيام قليلة على تلك الليلة بعدما خرجنا من المسرح, حينها حددنا موعدا آخر للقاء لنذهب إلى إحدى المكتبات كي نبحث في كتب المسرح. ثم إلتقينا حينها وددت لوكان الشارع أطول مما عليه قبل الوصول إلى المكتبة، فسرنا ولم نشعر بأحد بجانبنا كنا كعصفورين في الهواء يجمعهما الحب.
    فسألته مداعبة : هل لو أخبرتك أنني أعشقك ستعتبرها نكتة؟
    فأجاب : وهل هذا يحتاج لسؤال؟ بالتأكيد نعم.
    سألته باندهاش : لماذا؟
    فقال : لأنك لا تحبينني فقط بل تعشقينني.
    وصلنا إلى المكتبة وإذ به يمسك بيدي كان إحاسا غريبا, وبعدها دخلنا المكتبة للبحث عن بعض الكتب التي كانت بالنسبة لي وسيلة للجلوس بجانبه وسماع كلامه الذي ينساب من فمه كلحن يعزف داخل جوانحي.
    فاختار كتاب عنوانه "فن المسرح العالمي" جلسنا على الطاولة وبدأنا النقاش وتبادل المعلومات حول المسرح.
    فسألته : ماهو المسرح في نظرك؟
    أجابني مبتسما : عزيزتي إن المسرح هو المكان الذي نستطيع أن نجسد فيه رواية ما أو مسرحية وقد تكون في قالب كوميدي أو ميلودرامي وتكون مكونة من فصل أو فصلين أو ثلاتة فصول وكذلك هو نوع من الفرجة ويشمل ركحا ومكانا للجمهور المشاهد.
    فقلت له : وكيف أصبح المسرح اليوم هكذا لا يشبع بينما المسرح القديم أو الكلاسيكي نجد فيه ما يرضينا ويشبه أفكارنا، أما الآن فصار مجرد فرجة وتهريج يمكن أن تصور كل الفنون فوق الركح. ظل كلامنا جله حول المسرح... انصت اليه بتمعن لعلني اسبح في عالمه هو, يحب المسرح وانا احبه واحببته من اجله.
    فقال لي : لما لا تكتبين عن قصتنا؟
    قلت له : نعم سأكتبها حينما أجالس نفسي، حينما تخرج أحاسيسي وتصطدم بجدران غرفتي.
    قال لي فجأة : سأذهب الان، إلى الملتقى إنشاء الله. ودعني حينها بحرارة وكأنه آخر لقاء لنا، ثم أضاف لا تنسي كتابة القصة.
    قلت له : كيف لي أن أنساها وأنفاسك فيها؟ سأنقشها على البحر وأهديها لك.
    مرت أيام وأيام وأنا كعصفورة تجول الأفق بالحب، كنت أعتقد أنني لن أحب من جديد كما يقولون الحب الأول لا ينسى لكني نسيته عندما دخل هذا الشخص فؤادي فهو الذي أركن إليه وأخفض له جناح ضعفي، هو المبصر لأوجاعي وهو الأنس الذي لا أجده في الآخرين. لا طالما فقدت أملي في الحب إلا وسيأتي من يداوي ألم الفراق ويبعدني عن صمت العمق وثرثرة السطح، هو من مسح من داكرتي السراب داك الطيف الذي سكن فراغ الحياة. كنت أتأمل السماء كل عشية أرامق غروب الشمس بحزن وأنتظر من يطوي صفحتي لأكتب من جديد، إلى أن جاء هذا الشخص المسمى بالأديب.
    أديب من أشرق طريقي المعتم وغسل وجعي وألمي. فتعال يا حبيبي واسكب نفسك في دمي وروي لي قصة أسطورة حب في زمن الثلوج، نعم هذه قصتنا وكن نارا تحرق الشتاء في حصني، تعال ولا تتركني كالليل بدون قمر كما فعل يحيى، فكيف لي أن أحيا من دونك في صحراء مليئة بالأشواك. مر أسبوع على لقيانا فاشتقت له، افتقدته كما تفتقد الأرض المطر. في كل مرة أرى فيها هذه الأضواء أسافر إلى ما وراءها لأراقص طيفك على نغمات السؤال، أتفتقدني مثلما أفتقدك؟
    وفي لحظة التفكير فيه إتصل بي وطلب مني أن نلتقي. تساءلت في نفسي هل حبيبي يقرأ أفكاري أم ترك قلبه جاسوسا علي.
    قلت : بالتأكيد، فاقترحت عليه أن يكون لقاءنا بعد أسبوع بنفس الشاطئ االذي إلتقيت فيه بيحيى, داك الملقب بالسراب. كان هذا ثالت لقاء لي مع أديب. أديب الذي وهبني حياة جديدة.
    مر الأسبوع وكأنما مرت سنة، أتذكر يومها قمت باكرا وبعد ساعات ذهبت إلى المحمدية، كان كل شيء فيها يذكرني بيحيى. لم أشعر بنفسي حتى وصلت إلى شاطئ العشق. جلست قبالة البحر أتأمله وأنتظر أديب. وأخيرا أتى بعدما انتظرته، لكنه فاجأني بمظهره الأنيق و الجميل بالرغم من بياض شعره.
    جلسنا لساعات من الوقت، حكيت له عن عشقي لرمال شاطئ المحمدية فهي التي جمعتني بيحيى. سألني : أزرت شاطئ الصويرة؟
    قلت: نعم زرته مرات ومرات إنه بحر فاتن، كل من زاره يترك أحزانه في ذلك البحر, بحر الأساطير.
    قال : بالفعل هو كذلك, ثم أضاف: فكيف للبحر ألا يكون جميلا وأنت مطلعه.
    تقرب مني خطوات تم قال لي: يالجمال عيناك وشفتاك التي كقنينة خمر يذوب الفجر بينهما فاسقني منها يا أميرة الصحراء ، أيتها الأميرة المتوجة جمالا.
    قلت : حبيبي لا تبالغ في كلامك.
    قال: أنا لا أحكي سوى ماتراه عيني.
    كلامك يذهب بي إلى ماوراء الشمس لأناديك يا قمري خدني معك لأراقصك بين النجوم.
    أديب: إلى أين سيأخدك؟ أبين رنات الوتر أو فوق الجبال أو لمداعبة خدود الزهر، فإن كان يستهويك مذاق العسل فرفرفي بجناحيك كي يهطل المزن.
    قلت له: سنرفرف معا مع طيورالحب.
    رد مبتسما: هذا أكيد عزيزتي.
    أكملنا حديثنا ونحن جالسون بالمقهى وإذ بي أحمل الكأس لشرب الماء.
    فقال لي: آه كم أغار من داك الكأس الذي يقبل شفاهك.
    فقلت له: أنت تخجلني بكلامك هذا يا أديب.
    قال: الجميلات من حسنك الأبدي يستحيين من جمالهم أيتها الأميرة الجميلة اني أغار من عينيك.
    قلت : كلامك جميل، فلما لا تكتب ترنيمة العشق الخالد الأبدي؟
    قال من أي بهاء أكتب الشعر من شفاهك التي يلوذ الجمال بها أم من عينيك اللولبيتين أم أكتبه بين نهديك.
    أجبته: أكتبه أينما تشاء. ظللنا نحكي لساعات طويلة، فقمت للذهاب إلى مسكني وعند خروجي من المقهى صدمت بما رأته عيني جمدت في مكاني واصفر وجهي ووقفت دورة الدم في عروقي، فقلت في نفسي : ماهذا الذي أراه ؟ وما سبب مجيئه إلى هذا المقهى؟ لم تصدق عيناي ما رأته كان داك السراب.
    سألني أديب ماخطبك؟
    أجبته : شمس أشرقت بعد غروبها. فذهبت إلى يحيى، ألقيت عليه السلام.
    فقال لي ماهذه الصدفة وكيف حالك بعدي؟
    أجبته: وكيف سأكون؟ مازالت تغدقني الحياة بالعطايا.
    قال: وأنا كذلك لم تشرق شمسي بعدك.
    قلت له: أعلم تماما أنك لم تعش هذا فأنت كنت دائما مطلع شمسك لا الشمس مطلعك.
    سألني مداعبا: بالمناسبة من هذا الرجل أهو والدك؟ خجلت وقتها من سؤاله، لم أجرؤ أن أقول أنه حبيبي وأنه البديل. صمت قليلا وقلت : ومن تكون تلك الفتاة؟ أجابني بلا تردد: إنها زوجتي.
    قلت : زوجتك، وأنا التي ظللت أنتظرك كثيرا في الظلام علك تعود يوما.
    أراد تغيير الموضوع فسألني: ألازلت تخافين الظلام؟
    أجبته: لا لم أعد أخشاه.
    قال: كبرت تلك الطفلة بذاخلك إذا.
    قلت : ليس الأمر هكذا فقط أدركت أن هناك في الواقع ما يخيف أكثر وتعودت.
    سألني باندهاش: مثل ماذا؟
    قلت: مثل فراقك.
    فقال: لم تجيبي بعد من هذا الرجل؟
    أجابه أديب : أنا من ملأ فراغ حياتها بعدما فررت منها.
    قال يحيى : أصحيح كلامه؟
    .قلت: نعم وما العيب في ذلك؟
    أجابني مستهزءا: هههه إعتقدت أنه والدك.
    إستودعته وقلت له: بارك الله في زواجك.
    ثم خرجت من المقهى دون التفات وذهب كل منا إلى حال سبيله. ظلت كلمات يحيى تتردد في مسمعي وأسأل نفسي: أكلامه صحيح ؟ لكن ماهي نهايتي؟ أصبحت منذ تلك الليلة لا أشعر ولا أتألم من شيء حتى الحب، عشت كئيبة وحيدة لا أسمع سوى صوت قلبي ولا أصغي إلا لضميري الذي ظل يؤنبني وحتى يحيى لم أجب على اتصالاته، كنت أحاول أن أبعده عني. قررت خلالها أن أصارحه بالفراق. اتصلت به وطلبت منه لكن هذه المرة سيكون لقاؤنا مختلفا عن باقي اللقاءات. وقلت له أن نذهب إلى الصويرة. وبعد أيام من ذلك الإتصال جاء يوم اللقاء وسفرنا إلى موكادور مدينة الأساطير. ذهبنا معا في سيارته وظللت أفكر طول الطريق كيف سأقول له أن هذا السفر سفر الوداع. استمر بنا المسير حتى وصلنا إلى الصويرة بدت لي مختلفة على آخر مرة زرتها. اتجهنا نحو البحر وهناك قلت له: أديب فكرت كثيرا في علاقتنا ولم أجد لها نهاية.
    فأنت أكبر مني سنا والعاطفة تتبخر مع مرور الزمن فمن الأحسن أن نتوقف هنا بلا عذاب ولا تكسير للقلوب.
    فقال: لما هذا الفراق المفاجئ؟ أبسبب يحيى؟ ماذا سأقول لك أنت أدرى بقرارك هذا. سأتركك الآن في هذه الأرض فوق رمال أسطورتك وسأظل ألتمس عطرك الفار من خياسيمي وسأفتقد رقة ابتسامتك البريئة فهذه هي خلاصة النساء عند كل غروب شمس تنتهي حكاياتكن.
    فذهب ولم يسمع مبرراتي، توادعنا بلا وداع فعاد الخريف بالأحزان وورث قلبي صمت الرحيل، معلنة موت الحب والعيش على نغمات أنشودة الليل.


    الكاتبة على الفيسبوك : سميرة بنعدي
    إلى الأعلى