728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    أدب السجون ~ هلال محمد~



    ثلاث روايات كانت كافية للإصابة بنوبة اكتئاب حادة خلال الأيام الماضية بسبب الألم النفسي العميق الذي أحدثته قراءتي لثلاث روايات  تعتبر الأكثر رعبًا فيما يعرف بأدب السجون، روايات اختزلت الخوف، الرعب، الظلم، الموت... روايات اختار أصحابها أن يتقاسموا معنا قصصهم و مآسيهم التي حدثت بين جدران السجون بغض النظر عن القضايا و الدوافع التي زجت بهؤلاء الكتاب في غياهب السجون فإننا نجد في رواياتهم الكثير من العبر و الدروس التي قدموها لنا كخلاصة لسنوات من الألم والعذاب والمعانات  كل ذلك في سبيل أغلى ما في الوجود.. إنها الحرية.
    الروايات الثلاث لموضوع هذا المقال هم رواية "القوقعة" للمعارض السوري مصطفى خليفة ورواية "السجينة" للمغربية مليكة أوفقير ورواية "يا صاحبي السجن" للشاعر و الروائي الأردني أيمن العتوم، فتعالوا معًا لنقوم بزيارة أدبية لزنازين هؤلاء الكتاب ونقف عند تجارب اعتقال سياسي تدور رحاها في الأقبية والمعتقلات.
    رواية "القوقعة'' لصاحبها مصطفى خليفة ليست مجرد سرد لتجربة إنسانية ووجودية  نفسية مريرة فحسب، بل هي تأريخ شجاع لحقيقة خاف الكثيرون من الكتابة عنها وتعريتها، لأنها كتب لها أن تظل طي الكتمان كيف لا ونحن أمام نظام شمولي وديكتاتوري يستطيع أن يسجن ملحدًا بتهمة الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين.. نعم هذا ما حدث مع المعارض السوري مصطفى خليفة الذي ذاق كل أصناف العذاب الجسدي والنفسي البشع لمدة ثلاثة عشر سنة و ثلاثة أشهر وثلاثة عشر يومًا في أقبية سجون النظام السوري، سنوات مليئة بالحقد والكراهية والذل، و مما زاد من سوداوية الرواية هو امتلاك مصطفى خليفة لموهبة الإخراج السينمائي في صياغة روايته بتصوير دقيق للأمكنة وللأشخاص وللظلم... ليذكرنا بأن كل ما نقرأه هو وقائع حقيقية حدثت بالفعل.. في سوريا.. ولا بأس إذا انساب من أعيننا بضع دمعات.. لنسميها دموع تعاطف إنساني، دموع ضمير حي.
    الرواية الثانية التي أريد أن أنقل لكم بعض أحداثها هي رواية "السجينة" لمليكة أوفقير.. مليكة التي تحولت بين ليلة و ضحاها من مدللة القصر الملكي إلى سجينة سياسية عقب محاولة اغتيال فاشلة نفذها والدها البيولوجي الجنرال أوفقير سنة 1972 ضد والدها بالتبني الملك الحسن الثاني، لكن فشل عملية الاغتيال أدى إلى مقتل الجنرال أوفقير و سجن عائلته عشرون عامًا كاملة، حينها صرخت مليكة "كيف لأبي أن يحاول قتل من رباني و كيف للأخير الذي كان لي أبًا آخر أن يتحول إلى جلاد".
    تتميز رواية "السجينة" بسرد جد مؤلم يجعل القارئ يعجز عن تصور أن ما يقرأه من أحداث قد حدثت بالفعل و أنه عين الحقيقة ووجهها البشع، و كيف لإنسان يحترق في الجمرات أن يكتم صرخاته.
    أمضت مليكة رفقة عائلتها المكونة من والدتها فاطمة واٍخوتها  رؤوف وعبد اللطيف وماريا ومريم وسكينة والخادمتان حليمة وعاشوراء، خمسة عشر سنة من السجن المنعزل والأوضاع الصعبة جدًا التي حرموا فيها من كل شيء حتى وصل بهم الأمر إلى القيام بعملية انتحار جماعية في ليلة أسموها ليلة السكاكين الطويلة... أمام تجربة مليكة وعائلتها تقف لغتي عاجزة على وصف حجم المأساة التي حدثت لعائلة أوفقير و يكفي أن نعرف أن الطفل الصغير عبد اللطيف (الذي كان الملك الحسن الثاني من اختار له هذا الاسم) قد سجن وعمره لا يتجاوز ثلاثة سنوات.
    طوال خمسة عشر سنة ظلت عائلة أوفقير تراسل الملك الحسن الثاني في كل الأعياد الوطنية وأعياد ميلاده طلبا لعفوه لكنه كان يرفض في كل مرة، مما دفع بهم إلى حفر نفق خارج السجن و هرب كل من مليكة و رؤوف  وماريا وعبد اللطيف وانتشرت قصتهم بسرعة في كل أنحاء العالم  بمساعدة صحفي فرنسي كان متعاطفا مع قضيتهم، مما سارع بالحسن الثاني إلى نقلهم إلى إقامة جبرية نواحي مراكش حيث مكثوا هنالك خمس سنوات أخرى قبل أن يعفو عنهم ويهاجروا إلى فرنسا.
    آخر رواية في مقالنا هذا هي رواية "يا صاحبي السجن" للشاعر و الروائي الأردني أيمن العتوم، وهي رواية كتبت بلغة شعرية جميلة تجاور فيها الشعر والنثر بسلاسة بالغة أخدنا من خلالها الشاعر أيمن العتوم في زيارة إلى سجون النظام الأردني و تعلمنا معنى أن يسجن الإنسان فقط لأنه كتب قصيدة يستنكر فيها الاتفاق الذي حصل بين الأردن و الكيان الصهيوني فكان جزاءه السجن لمدة ثمانية أشهر.
    تتميز روايات أيمن العتوم بعناوينها التي يقوم انتقاءها من آيات القرآن الكريم و نفس الشيء لكل فصل من فصول رواياته، فمثلا اختار لمسألة منع الزيارات (يَسْألونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ) و اختار لقضية الإضراب عن الطعام (لا يَأْكُلُونَ الطّعامَ) و هكذا دواليك..
     شاعرية الروائي أيمن العتوم وتحكمه التام بمفردات اللغة وإحساسه المرهف جعله يطور علاقات جد حميمية مع أشياء تبدو عادية كالمرآة المهشمة ورغيف الخبز والسكين وومعجونة التمر التي اكتنزها في سجنه الانفرادي.. هي أشياء تجعلك تعيش معه عمق التجربة بكل تفاصيلها الأليمة  ومما يغلب على الرواية طابع البحث عن الذات لأن الروائي أيمن العتوم اختار أن يكون تلميذًا لامعًا وجعل من السجن معلمًا رائعًا.
    من أول من فكر في بناء سجن؟ من باني أول سجن؟ من أول سجين في التاريخ؟ كيف تدرجت البشرية حتى وصلت لفكرة عزل فرد عن المجتمع، وكيف عرف أن ذلك يمثل عقابًا شديدًا له؟ أسئلة كهذه و غبرها تعجز عقولنا عن إيجاد أجوبة شافية لها لكن للأسف مجتمعاتنا العربية تنفرد بهذا النوع من الأدب الذي كان له دور بارز في تأريخ كثير من حكايات ومآسي من خاضوا تجارب الدفاع عن أفكارهم، سواء بسيرةٍ ذاتية، أو بروايات في سبيل أسمى ما في الوجود.. الحرية،  آه ما أصعب أن يكون الإنسان حرًا، و ما أقسى تبعات ذلك..  الحرية هي صرخة ( لا ) في وجه طوفان ( نعم ) حين تكون ( نعم ) غناء القطيع.
       












    هلال محمد  .. طالب باحث بسلك الماستر بكلية الحقوق -مكناس-
    نبذة عن الكاتب 
    هلال محمد، 25 سنة، مزداد بمدينة تيسة اٍقليم تاونات، طالب باحث بسلك الماستر بكلية الحقوق بمكناس، حاصل على شهادة الإجازة في علم الاقتصاد و التدبير من كلية الحقوق ظهر المهراز بفاس، أهوى القراءة  والكتابة في مواضيع متنوعة، عاشق عبد الرزاق الجبران و مصطفى محمود و محمود درويش و روجيه جارودي و أخرون ... أمنيتي أن تصير الإنسانية ديانة كل البشر.
    للتواصل
                                                                                                     Facebook : Mohamed hilal                     


    إلى الأعلى