728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    الحفاظ على التراث الثقافي والطبيعي ~ بقلم إسماعيل مشبال ~


     
    يعتبر الحفاظ على التراث أمرا في غاية الأهمية؛ نظرًا لقيمته الاقتصادية والاجتماعية. وعليه، نجد أن معظم دول العالم أصبحت اليوم  توليه اهتمامًا كبيرًا، بحيث أنها تسعى وبالدرجة الأولى إلى إبقاء عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية متجهة نحو الأمام دون توقف أو عرقلة ، آخذة بعين الاعتبار أن التراث  الثقافي والطبيعي هو أساس التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة. وفي هذا السياق، تعد إيطاليا وفرنسا وبريطانيا من الدول السباقة إلى توجيه الاهتمام بمسألة الحفاظ على التراث بكل أنواعه، وفي الواقع كان لهذه الدول الفضل الكبير في نشأة وتطوير علم الحفاظ على التراث وإدارته . وبالتالي، تم تنظيم أو سن قوانين ترمي إلى الحفاظ على التراث الثقافي العالمي، ثم اهتمام منظمة هيئة  الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة( اليونسكو)، وكذلك إنشاء  الميثاق العالمي للحفاظ والترميم للمعالم والمواقع تحت اسم "ميثاق البندقية ".
    وعلى اعتبار أن المغرب من الدول التي حباها الله بتراث ثقافي وطبيعي فريد، فإنه أولى اهتمامًا كبيرًا بمسألة الحفاظ على التراث الثقافي والطبيعي وعيًا منه بمدى أهميته ودوره في التنمية الاقتصادية المحلية. وعليه، تم تنظيم وتوثيق بعض المآثر العمرانية وترميم بعض المدن القديمة بهدف إرجاع قيمتها التاريخية والثقافية والجمالية وذلك بعناية دقيقة، مخافة من مسح أو إتلاف أهميتها وقيمتها الثقافية والحضارية.
    لكن، لماذا التراث بالضبط وليس غيره؟ وما المقصود بالتراث؟ التراث بالضبط وليس غيره لأنه وببساطة يمثل الذاكرة الحية للفرد وللمجتمع، ويمثل بالتالي هوية يتعرف بها الناس على شعب من الشعوب¹[1].فمثلا عندما نتحدث عن الأهرام المصرية، فهي بدورها تبرز الهوية الثقافية والحضارية للمجتمع المصري، وأضف إلى هذا الكلوسيوم الذي يعرف بهوية المجتمع الايطالي وحضارته. وبالمغرب نجد مثلا مدينة وليلي وليكسوس ومغارة هرغل ...، كلها  تعطي وتحدد هوية كل منطقة حسب أهميتها التاريخية والثقافية .
    أما فيما يخص مفهوم التراث فهو بشكل عام ذاك الموروث المشترك والحي بين المجموعات، والممتد إلينا من الأجيال القديمة أو السالفة الضاربة في التاريخ ، ويورث للأجيال القادمة ، وهو أيضا رصد لمجموعة من السمات التي تحدد الهوية الحضارية لأي مجتمع من المجتمعات، سواء كان ذالك فكر وثقافة وفنون وعمران وصناعة وتقاليد وعادات الخ[2]².


    وفي هذا المخاض تجدر بنا الإشارة  إلى أن هناك بالمغرب نوعين من التراث؛ بداية نجد التراث الثقافي الذي يجب آن نميز فيه ما بين ما هو ملموس وغير ملموس؛ فالتراث الثقافي الملموس يقصد به كل من أعمال النحت والتصوير على المباني والنقوش والكهوف والمجمعات والمواقع. والتراث الثقافي الغير الملموس  - كما جاء في اتفاقية الحفاظ على التراث الغير الملموس، باريس 2003 ( اليونيسكو) – يتمثل في التراث الشفهي والعبارات، الموسيقى وفنون العزف، العادات الاجتماعية، أحداث تعبدية أو أعياد، المعرفة والتعامل مع الطبيعة ومع العالم ،الخ .
    في حين يقصد بالتراث الطبيعي، وكما جاء في المادة 2 من الاتفاقية لحماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي، باريس (1972) (اليونيسكو) ، "المعالم الطبيعية المتآلفة من التشكيلات الفيزيائية أو البيولوجية، أو من مجموعات هذه التشكيلات التي لها قيمة عالمية استثنائية من وجهة النظر الجمالية، أو العلمية .كذلك ، المواقع الطبيعية أو المناطق الطبيعية التي لها قيمة عالمية استثنائية من وجهة نظر العلم، أو المحافظة على الترواث أو الجمال الطبيعي."
    وبناءا على ما سبق، فإن المغرب قد أولى حديثا اهتمامًا كبيرًا بهذا الجانب، أي الحفاظ على التراث الثقافي والطبيعي، وألح على ضرورة الحفاظ عليه، هذا إن دل على شيء فإنما يدل بالدرجة الأولى على أهميته في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.  ثم أن هذه الأهمية تكمن في كون أن للتراث الثقافي بعد حضاري، وكما أنه أيضًا بمثابة ذاكرة وهوية الإنسان والمجتمع. إضافة إلى هذا تتجلى أهمية الحفاظ على التراث في الدور الكبير الذي يلعبه خصوصًا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
    وفي هذا الصدد، يستحسن أن نتحدث ولو بشكل مقتضب عن بعض أهداف الحفاظ على التراث الثقافي أو الطبيعي بشكل عام. فكما أشار الدكتور جمال عليان في كتابه "الحفاظ على التراث " إلى أن أهمية الحفاظ على التراث الثقافي تكمن في الأهداف التي يمثلها هذا التراث ويمكن أن نلخصها في النقط التالية:
    1- الحفاظ على التراث الثقافي وبعده الحضاري وحفظه لذاكرة وهوية الإنسان والمجتمع.
    2- إثراء الثقافة الإنسانية بالحفاظ على اختلاف التنوع الثقافي لدى الشعوب.
    3- التراث بقيمه الثقافية والاجتماعية يكون مصدرا تربويا وعلميا وفنيا وثقافيا واجتماعيا.
    4- الحفاظ على التراث كمادة إستراتيجية، ودوره الاقتصادي في تطوير المجتمع المحلي .
    5- تقديم عناصر التراث المحافظ عليه كحلول لمشاكل الإنسان الحالية .
    6- تقديم خاصية الحفاظ واستدامة العمارة كنوعية معمارية.
         هذه أهم الأهداف التي تكمن وراء الحفاظ على التراث الثقافي ، فما أحوجنا نحن المغاربة للتشبع بالأفكار الرامية إلى الحفاظ على تراثنا المغربي، ولنكون بذلك فاعلين أساسيين في التنمية الاقتصادية المحلية معتمدين في ذلك بطبيعة الحال على الموروث الثقافي الذي يعتبر في حقيقة الأمر العامل الأساس في التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستديمة.
    فكما هو معلوم أن المغرب يتوفر على تراث ثقافي هائل وفريد، بعضه قد اعترفت به منظمة هيئة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة  (اليونيسكو) كتراث عالمي. وهذا في الواقع إشارة فأل لمدى أهمية التراث الثقافي المغربي. لكن يبقى التساؤل: هل المغرب فعلا  قد قام بتوثيق وتصنيف وتقييم جميع المعالم التراثية المتواجدة بالبلد؟ بالطبع لا، لأن عملية الحفاظ على التراث، خصوصا المآثر التاريخية والمدن القديمة، لم تشمل كل أرجاء التراب الوطني، وإنما فقط  اقتصرت على المدن الكبرى كالعرائش (ليكسوس) طنجة وتطوان ( المدينة القديمة) ،الخ.
    لكن مازال هناك الكثير من المآثر العمرانية التاريخية التي أصبحت اليوم عرضة للتلف، سواء من جراء العوامل الطبيعية أو البشرية. فعلى سبيل المثال ، وقفت شخصيا على بعض المآثر التاريخية بالجبهة قرب قرية "تغسة " التي يتواجد بها برج شامخ مثير للاهتمام، وهذا الأخير هو عرضة للانهيار بالسبب الطريق التي تم إنشاءها بجانبه، فهو الآن متكئ فقط على الجهة اليسرى وهذا بالضبط ما أدى إلى انشقاقه، فان لم تتدخل السلطات المحلية في الحاضر العاجل، فان هذا المعلم التاريخي لن يصمد أبدًا أمام الأمطار الشتوية، وغيره كثير، سيما على طول الساحل المتوسطي.
    وفي النهاية، أرى أنه لابد من إنشاء مدرسة خاصة بعلم الحفاظ على التراث الثقافي تنتج مهندسين واختصاصيين في علم الترميم والصيانة للمآثر العمرانية التاريخية محترمة في ذلك القيم الثقافية والحضارية والجمالية للمعلم. إضافة إلى ذلك، نحن بأمس الحاجة إلى مدرسة تنتج خبراء واختصاصيين في مسألة الإدارة والتوثيق للتراث الثقافي والطبيعي للحيلولة دون إتلاف المواقع الأثرية المتواجدة بالمناطق القروية، لان التراث الثقافي هو ذاكرة شعب ومحرك التنمية الاقتصادية، فإن فقدت هذه الذاكرة، لن تكون هناك أبدًا تنمية مستدامة ولا تنمية بشرية على الإطلاق.



    - انظر كتاب" الحفاظ على التراث" للدكتور جمال عليان ، عالم المعرفة 322 شتنبر2005 .ص 74[1]
    - انظر كتاب" السياحة البديلة والتجارة العادلة" للدكتور عبدالوهاب ايد الحاج طبعة 2008 .ص 71[2]
    إلى الأعلى