كان يوم أحدٍ عندما كانت آئِبة إلى البيت. سَاقَتْها
الظّروف، أو القضاء والقدر إلى أن تجلسَ أمامي مباشرةً. اقتعدت كُرسياً واتخذت
لنفسِها وضعيةً لم أراها قبلاً إلا في صوّرِ حورياتِ البحرِ (وضعت هيكلها السُّفلي
في جهةٍ، ومالت بالعُلوي إلى الجهةِ الأخرى) استفزت -صراحةً- مشاعري بحركتها تلك.
بعد هُنَيْهةٍ
صغيرةٍ من الزّمن، وبعدما نَفَخَت هواءً على صدرها، ولسان حالها يقول "Oh la la.. il fait chaud".. بعد هذا، أخرجت هاتفاً من
صدرها النّافر، المُنتصب، والمُعلن عن حربٍ قد تبدأُ أو ربّما انتهت وخَرَجَ منها
منتشياً بانتصارِهِ.. هاتف لم يكن بِمُكنِ العينِ أن تُبصرَهُ رغم ضخامته. كيف
تُبصر العين شيئاً رغم ضخامته في حضرةِ وسُمُوِّ وجلالةِ وفخامةِ نهدَي هاته
الحورية؟ كَيْفْ؟
بجرَّةٍ بأُصبُعِهَا
الأوسط والرّفيع اتصلت بابنتها قائلةً:
-
ألوو... ليندا فينك؟
أنا جاية الدار..
-
ليندا (...)
-
آه ما تقوليش
الباباك أنا كنت خارجة من الصّباح.
قالت ذلك، وأرْدَفته بعضّةٍ على شفتها السُّفلة، وعينيها
تَرمقاني بنوعٍ من الإباءِ والمجونِ الزّائدَينِ عن حدّهما.
من خلالِ قسماتِ وجهها المُنفرِج، والذي يظهر أنه
ما عرفَ أو عاشَ يوماً الغَم أو الكَرَب أو الابْتِئَاس علِمتُ أن الأب غير موجودٍ
في البيت، والإبنة مثله. فقد قالت قبل أن تُنهي الاتصال:
- وسَرْبي رجعي الدّار، وخَلّينا من الصّحابات ديال
والو.. !
بجرةٍ عكس الأولى، قطعتِ الاتصال، ورفعت رأسها
نحوي، لتجدني لا أزال أُحَمْلِقُ فيها، بل أُبَحْلِقُ في
الفتحةِ التي خرج منها الهاتف وإليها عاد.. لا شك أنها أدركت ما فعلاهُ بي
النّهدين الثائرين، وأين طَوَّحا بي، فجعلاني في حالةٍ أخرج فيها من أناي، لأُدركَ
– بعد عودتي لأناي متأخراً - أن "الترامTramway" تجاوز المحطة التي من المفترضِ أن أَهبط فيها.
نعلتُ في نفسي الشّيطان، ووقفتُ منتصباً، وواضعاً
حقيبتي أمامي لعلّها تسترُ ما انتصب...
ونزلتُ خائباً.

