كعادتي كل صباح بعد أن اتناول فطوري مع اسرتي
الصغيرة في عدد أفرادها، الكبيرة في طموحها، أتوجه نحو
المقهى الذي أرتاده لمدة
خمس سنين، وهي مدة إقامتي بشفشاون، مدينة السحر الطبيعي الأزرق النيلي. بينما أنا
في الطريق أهرب من لفحات الشمس الحارة، لأصل في وقت مبكر للمقهى كي أنهل من كتاب
قد اشتريته خصيصا للقراءة فيها. بينما أصعد درجا، وهذه حال المدينة كلها
أدراج، كما يسري المثل الشعبي عند بعضهم في وصف شفشاون الزرقاء " طالع مكوز
وهابط ملوز" ، في الحقيقة نكتة هذه المقولة، والأمر صحي رياضة بززعلى بابا. المهم
ما علينا، بينما أصعد الدرج لمحت أبا وإبنه يتحدثان، وفجأة اخترقت خصوصيتهما
فإنتبه الطفل للكتاب بلونه البنفسجي، فخاطب أباه "إنه يحمل قرآنا، أليس
كذلك؟" فأجابه الأب متفاجأ لا كلا " إنه كتاب". من سرعتي لم ألتقط
إلا هذه الكلمات، لكنها تحمل من المعاني الكثير كأن الحوار القصير غيمة ولوود و
تقبل على وضع وليدها. لقد ظن الطفل أنني احمل قرآن و هذا ظن حسن، وسعدت لأنه
إستخدم حدسه الطفولي ليخمن ما احمله، والأروع من هذا هو اسلوبه التحاوري مع أبيه،
أحسست بعمق العلاقة بينهما، وعمق الرابط الذي يجمعهما.لكن لدي ملاحظة بسيطة وجوهرية في الموضوع وهي أن الطفل يظن أن كل الكتب قرآن لأنه لم يرى في البيت إلا قرآنا، ولم ير كتابا آخر يتداول أمامه، لذا حدس أن الرواية التي كانت بين يدي قد تكون قرآنا. إن كان يدل هذا على شيء فإنما يدل على مدى غفلة معظم الأسر المغربية عن إنشاء مكتبة منزلية والإهتمام بالكتب قراءة ومناقشة، وتعريفا للأطفال بمتعة القراءة . غالبا ما تحمل الكلمات البسيطة دلالات عميقة، فجملة ك "إنه يحمل قرآنا، أليس كذلك أبي؟" تحمل في دلالتها أن الطفل لم يعرف قصة ولا كتابا قط غير القرآن، أين دور الأب والأم، أين دور المدرسة، أين دور الجمعيات وكل مؤسسات الدولة في تقريب الكتب من الفئة الناشئة التي ستقود المستقبل؟ نعم، لدينا مسؤولية مشتركة في زرع قيم وبذور حب الكتب وتقريبها من النشئ سواءا من خلال خلق مكتبة منزلية فيها من القصص المصورة للأطفال ما يغنيهم عن الأجهزة الإلكترونية التي زادت الطين بلة في مجال الدراسة والقراءة خصوصا رغم ما تقدمه من إمكانيات. أو عن طريق تنظيم ورشات قراءة وكتابة إبداعية، وتقريب الأطفال من الكتب وتحبيبها لهم. قد تبدو حلولي هاته غير منظمة ومنطلقة من عاطفة اكثر مما هي منظمة في خطط للتطبيق، لكن الغرض من غفتتاحيتي هاته تحريك جعجعة الثقافة، وأن دورنا كمواطنين يبدأ من داخل المنزل، نريد جيل واعي إذن اللبنة الأولى تكمن في بناء ثقافة هذا الجيل من الداخل، وأضعف الإيمان إنشاء مكتبة منزلية،ثم دعوة للمدرسين لإنشاء مكتبة مدرسية أو مكتبة الفصل، وهكذا إلى أعلى سلطة في وزارة الثقافة ووزارة التعليم بأن يدعموا معنويا وماديا مبادرات من شأنها ان تبعث الروح الثقافية في أطفالنا مواطني الغد القريب، وبناة وحماة الوطن. وأشكر الأقدار التي أخذتني صباح اليوم للمقهى لأسمع الحوار الذي إرتأيته
موضوعا جميلا لنقله لكم في صورة عفوية وقلم مطواع.

