الأستاذ الدكتور شارب الماء من الصنبور ما إن أطل على الابتدائي حتى أصبح ضليعًا
في اللغة العربية وما إن وصل إلى الإعدادي
حتى أصبح رباعي الأضلاع فيها فكان شكلاً هندسيًا يشرح به أستاذ الرياضيات دروس
الهندسة ويقوم مقام أساتذة العربية في الحصة لكن بدون حصة (مقابل مالي).
إصراره على التقدم
والتطور أمام ما يراه من عجزٍ وتدهور دعاه ليجوب مكانه ويستمع لأناه وهوه، يجوب
مكانه عبر عالم فكره فهو لم يعد يثق بالبشر ويستمع لأناه وهوه لأنهم في اعتباره
أكثر صراحة من الناس حوله، كل هذا من أجل أن يقدم على عمل قد يكلفه إراقة المداد.
كيف يكون الإنسان في
نظر المجتمع عندما ينطوي على نفسه باحثًا عن الحقيقة خارج سرب المغردين؟ كيف يكون
كلامه في نظر الناس وهو الذي طور منظومة تفكيره بينه وبين نفسه؟
يقول:"هناك خطأ
شائع في اللغة العربية فيقال "عزف على آلة الكمان" ولكن هذا خطأ فالصواب
والأفصح:"عزف الشباب عن القراءة إلى تقليد الستاتي" فالعزف والعزوف لهما
جذر لغوي واحد وهذه العلاقة اللغوية تعكس علاقة على أرض الواقع نلمسها الآن في
شبابنا".
فكيف يصح ما قاله
صاحبنا، فشتان بين العزف والعزوف لغويًا، الفصيح ما قالت العرب، لكن صديقنا له رأي
آخر في الفصاحة ومعانيها "الفصاحة لا تتعلق باللغة فقط بل بالحالة الاجتماعية
والثقافية إشكالية ما، ويضيف أن المجتمع سيتقدم وسيطرح تخلفه وراء ظهره، ذلك فقط
عندما يسمع فعل "عزف" فيتبادر إلى ذهنه عزوف الشباب عن المطالعة بدل
العزف الموسيقي، وقس على هذا الفعل أفعالاً أخرى ينم فهمها الأولي والمهم لدى المجتمع عن درجة تقدمه وعمقه في معالجة
الأشياء حوله، اصطباغ اللغة لدى الإنسان بالقضايا المهمة في المجتمع وهذا هو منطلق
التقدم.
كانت كتاباته دعوة
جدية لإعادة التفكير فيما هو بديهي فيقول:"هل فهمنا للعالم حولنا، هذا الكم
من العلاقات والأسباب والنتائج فهم صادر عن طبيعة الأشياء، فهو بذلك يفرض نفسه على
الإنسان أم أن فهمنا للأشياء لا يتعدى أن يكون فهم شخص أو أشخاص عُمم ليصبح الفهم
الصحيح؟"
"صعب أن يسلم
فهم الإنسان من عدة علائق قد لا تظهر "الحقيقة" على حقيقتها، وقد يكون
طريق اكتشاف علمي ما أو شرح حقيقة علمية ما يخفي ويرخي بظلاله أو قل بنوره حقيقة
أخرى ويمثل ذلك بأن المعرفة بحر واسع مظلم جدًا لكن المكتشف عندما ينير شمعة البحث
فهو يضيء منطقة بسيطة حوله فتدله على اكتشاف آخر قد لمسه شعاع الشمعة البسيط فيتبع
ذلك المسار لكنه ينسى أنه ترك على الجوانب مناطق مظلمة أخرى، كيف يمكن ذلك، خذ
مثالاً بعض النظريات العلمية الصحيحة كل على حدة، لكن يستحيل جمعها بل تتناقض
تماما كالنظرية النسبية وميكانيكا الكم لأن لكل واحدة منطلقات ومسارات بعيدة عن
الأخرى".
ذهب إلى غابة البلوط
الكروازي في حديقة منزله ليرى الأشجار قد عزفت عن الوقوف في أرض الحديقة، هذا كله
بسبب إدمان الناس على الآلات الموسيقية، تدمر الغابات لتصنع آلات لا تسمن ضعيفًا
ولا تغني فقيرًا، كانت له وجهة نظر متحفظة تجاه آلات العزف، ذلك لأنه كان مؤمنًا
بمبدأ إعطاء الأولوية لإنفاق المال على المشاكل الكبرى التي يعاني منها المجتمع.
"إن اهتمام
الشباب بالعزف على الآلات لا يعكس مدى حبهم للفن الراقي والسمو الجمالي"
ويستند في فرضيته هذه إلى أن مجموعة القيم المسيطرة عليهم الآن لا تنتج فنًا راقيًا
بل خبالاً فنيًا وهو التقليد الأعمى الحاصل الآن رغم أن الفن رُقيٌ وتعبير جميل
وليس تقليدًا ينزع عن الفن جماله، فلا يسمى فنا، ويضرب المثل باهتمام الكثير من
الشباب بموسيقى البلاك ميتال التي تخلو من الجمال الفني، بل ذلك النوع من الموسيقى
ليس إلا محاولة لاستلابهم من قيمهم العليا إلى حضيض الإلحاد.
سمع في التلفاز أن
الدول الديمقراطية لديها فصل السلطات، انهمر الدمع على خديه وأراد أن يعرف كيف
يشعر الناس بفصل السلطات، هل يشبه فصل الربيع أم فصل الخريف، لماذا هي لديها خمسة
فصول ونحن أربعة فقط؟
دفعه ذلك ليخرج من
انطوائه ويبحث في مكتبة الحي عن فصل السلطات، فاكتشف أنه فصل يرافق جميع فصول
السنة في الدول ذات المناخ الديمقراطي، وهو في طريق العودة أدرك أنه لابد للجميع
علماء ومثقفين، جهلاء وأميين النزوح إلى المطالعة فهي الكفيلة بنهضة الأمة عن طريق
خلق مجتمع المعرفة.
هذا الإدراك جاء عن
تجربة شخصية بحث فردي، الفهم والإدراك عن طريق التجربة أبلغ للنفس من مجرد سماع أو
قراءة فقط. فكم تدعو الناس لشيء فيه مصلحتهم لكنهم لا يفهمون ذلك ويقعون في
الأخطاء فيعلمون ويفهمون ويدركون معنى رسالتك لهم، فتساءل قائلا : لكن كم ستمهلنا
الأرض بيتا حتى تفهم البشرية أخطاءها التي ستكلفها ضياع أرضها إن استمرت على هذا
المنوال؟
سبب تفكيره في الأمر
أخذه على عاتقه مسؤولية زرع داء المطالعة في عقول الناس دواءً لما هم فيه، فحُوكم
مرات عديدة بسبب نشره لهذا الفيروس اللئيم وهذا الجرم العظيم بسبب عقلية مجتمعه
المتخلفة...
للتواصل مع الكاتب على الفيسبوك اضغط هنا : سهيل الدوى

