صباح هذا اليوم توجهت نحو الشباك الآلي لسحب النقود فإذا بي أجد شخصا اثناء
عملية سحب، فأنتظرته إلى أن ينهي معاملته الأولى، فاسترسل ليستفيد من معاملة ثانية
وثالثة ورابعة دون أن يلتفت الى الصف وراءه، وأنتم تعلمون حرارة شفشاون المدينة الجبلية
في غشت. فطلبت منه بإحترام أن يفسح المجال لنا لنسحب بدورنا النقوذ، إذ لا يعقل أن
تحتكر الشباك الأوتوماتيكي وحدك طيلة هذا الوقت في وجود طابور طويل، قلت له أنه
بإمكانه أن يقوم بمعاملة أو معاملتين على الأكثر ويتنحى جانبا إلى أن يسحب الجميع
أيضا نقودهم في جو من الديموقراطية وتكافئ الفرص. فهناك أكيد اخلاقيات السحب،
وأدبيات الطابور، إذ لا يعقل أن تعتبر نفسك "السوبر مان" والآخرين مجرد
أشياء لا حياة لها. فاجأني أنه هددني بالضرب، ويقول أنني إن جته قبل ذلك بقليل لفعل بي
الأعاجيب، فقلت له بنبرة تحدي جرب، فهذا ما تستطيع أن تقوله بفمك، لكن اتحداك ان تفعل
هذا بجسدك، الكلاب التي تنبح نادرا ما تعض، فسكت ولم يبالي بي، حاولت أن انتقل
للشباك الأوتوماتيكي الثاني لأنتظر دوري في طابوره، وكنت أستشيط غضبا ماذا يحسب
نفسه؟ هل يعتقد ان البنك يشتغل عند أبيه كما نقول "البنك خدام عند باك".
ما علينا...سحبت نقودي وعندما هممت بالرحيل وجدته ينتظرني وهو يخاطبني " من
أين أنت؟" فقلت له "من شفشاون، أنا قاطن هنا بشفشاون" فقال لي
"هل تعلم أنك لست شاونيا ؟" فسألته "كيف عرفت ذلك؟"
فقال " من هيئة لباسك ولكنتك؟"
فقلت له "فمن اي مكان انا بحدسك الذكي؟" أجابني "المهم أنت مجرد
عروبي؟" فسألته "هل أي شخص ليس من سكان شفشاون الأصليين يعتبر
"عروبيا" بمعناه القدحي الذي نمت عنه طريقة كلامك واستهتارك؟ فأجابني
بوقاحة "أجل" فأجبته " إذا أعتبرت أنت أن من ليس شاونيا
"عروبي" واعتبرك غيرك عروبي لأن لم تولد في مدينته بالمثل فسنصبح بمنطقك
كلنا "عروبي" بمعناك القدحي؟ أين الشخص الغير عروبي إذن؟ إختفى لأن الكل
سيصبح عنصريا؟ أرأيت هزالة موقفك؟ أرأيت نظرتك الحقيرة لبني البشر؟ اسأل نفسك هل
أنت إنسان أو تمتلك أشياء خارقة قد تجعلني أقل منك. وإنصرفت وتركته يحسبها حساب من
لا يفقه علم الحساب.
لدي أصدقاء كثر في شفشاون بمثابة الإخوة ولم
يقصني أحد بل بالعكس أطيب خلق الله، لكن هذا النموذج مثل أي نموذج في اي مدينة مغربية،
ففي ريفنا أيضا لدينا نظرة هذا غربي وهذا ريفي، وأينما حللت أو إرتحلت تجد صراعا
بين مدينتين ويتقاذفون بعضهم بعنصرية، ولا يعلمون أن هذه الأمور كرسها المستعمر ففرقنا ذات بيننا وكنا لقمة سائغة لأي إستعمار، بمنطق فرق واحكم او فرق تسود.
أدعو من هذا المنبر ان نتخلى عن عنصريتنا ونعيش معا، فأصلنا إنسان ولا أحد مهما
كان عرقه، دينه، أفكاره، فوق الآخر. انسفوا أفكار "الرجل الخارق"، نحن
بشر لافرق بيننا، ولا تنخر العنصرية مجتمعا حتى تأتي عن بكرة ابيه. وأريد توضيح ان
هذه حالة خاصة جدا ولا تحدث بشكل يومي، بل لي من الأصدقاء من هم أحلى من العسل،
والحالة ماهي إلا جهل لشخص لأخلاقيات الحوار والتعايش فقط، كما اني وقت في نفس
المشكل في الريف و أنا ريفي، فقد كانوا ينادونني أحيانا "ابن الغربية"
ويقصدون بذلك أصل أمي الفاسي. أنا سامحتهم لعلهم يفقهون.
بقلم مؤسس موقع أدب بريس: إدريس المحدالي

