728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    يوميات مهاجرإلى بلاد الجرمان 24 ~ مهدي يعقوب ~

    أداة قتل اسمها السيجارة 1

    استفاق من نومه هذا الصباح عرق الجبين ، تكاد نبضات قلبه تفتك بصدره من هول ما رآه في منامه الليلة ، و تمنى من الله فعلا أن لا يتحقق ما يفكر فيه ، و آثر أن يبقي على شعور الأمل ، بأن ما رآه كان أضغات أحلام لا غير ، غير أن ما رآه تكرر معه بشكل يومي تقريبا ، حتى أحس بالضيق ، هو يعرف أحلامه ، و يعلم حقيقة كونه حفيد جدة ترى الرؤيا فلا يمسي المساء حتى تتحقق بتفاصيلها ، و قد ورث دون أخوانه ، هذا الميراث الثقيل ، و الذي يجعل منه كائنا ليليا ، يعاني مما يراه في أدراج نومه !
    رأى فيما يرى النائم ، أباه في أحلى حلة ، يوم عرسه ، في أبهى زينة ، و هو يبتسم ، ابتسامة جميلة ، لم يرها على وجهه من قبل ، و الكل متجمع حوله ، و ينظرون إليه بفرح هائل ، و تكاد أعينهم تلتهم حسنه ، غير أنه ينظر إليه ، و يمعنه بالنظر ، رأى في عينيه الحب كله ، و الجمال كله ، و الحنان كله ، و رأى بحرا من بحور الشعر في عينيه يتغنج ، و شوقا و رمانا و برتقالا و نسائم الربيع ، رأى أشياء لم يشهدها في حياته ، فرآها في منامه !
    و كان يستيقظ في كل يوم ، و هو مبتسم مما رآه ، غير أن الرعب ما يفتأ أن يحتل أوتار قلبه ، و علم فيما بينه و بين قلبه أن أباه يتقلب في دروب الألم ، أي ألم ، المهم ، أن مكروها أصابه ، منبع الإبداع لا شك لوثت الآهات مياهه ، فكان حينما يتصل بالمنزل و يسأل عنه ، يقال له أنه في العمل ، أو في الخارج ، المهم أن الأعذار تأتيه من كل حدب و صوب ، مانعة إياه من معانقة صوت والده الحبيب !
    فلاش باك

    بعد أن قبل يدي والده ، نظر إلى وجهه ، فرأى تغيرا في ملامح وجهه ، و اصفرارا و شحوبا غريبا ، ظن في أول الأمر أنه من أثر الفراق ، و بالفعل ذلك كان ، غير أن الشحوب كان لأمر آخر ! بعد أن عاد أدراجه ، مقدما للسماء ابنه البكر ، تتجاذبه الغربة في بلاد الجرمان ، وصل البيت الخالي من نسائم شاعره المفضل ، و ارتمى على الفراش و بكى بكاء شديدا ، ابكى معه أمه و من حضر ، بكى لفراق فلذة كبده ، أرسلها إلى بلاد بعيدة ، و تركها وحيدة لمصيرها !
    كان مدمنا للسجائر منذ صغره ، رافقته طوال أيام حياته ، و شهدت معه ولادة أبنائه الثلاثة ، و كان الأبناء حين الكبر ، يتوسلون إليه أن اقطع صلتك بها ، فيجيبهم بالمشيئة !
    حاول و حاول ، حتى أعيت المحاولة كاهله ، فعاد إليها تلك اللعينة !
    في ليلة من الليالي ، كان الكل مجتمعا تحت سقف البيت السعيد ، فجاءه خبر وفاة والدته ، و كانت المر الأولى التي يشاهد أباه فيها يبكي ، رباه ، كيف لرجل في الخامسة و الأربعين ، يبكي هكذا على أمه كالطفل الصغير ، أبعد أن أنجب أبناءه الثلاثة ، يبكي هكذا كالرضيع ، غير أنها الأم ، غير أنها المرأة الحنونة التي كانت ، حتى قوب وفاتها ، تأتي و تطرق الباب ، و تسأل ، و تعانق هذا و ذاك ، و تجمع شمل العائلة ! بكى بكاء أبكاه و استنفذ ما في مقله من دموع ، و كانت وفاتها ، شيئا محوريا في حياة والده ، حيث قرر للمرة الأخيرة المحاولة لمقاطعة السجائر ، و كللت محاولته هذه المرة بالنجاح ! فقد أبدى استعدادا لم يبده طوال حياته قط ، و قرر أن ينسلخ نهائيا عن حياته السابقة
    بعد مغادرته إلى أرض الجرمان ، أدخل أباه المشفى ، و اكتشف سرطان السجائر برئتيه ، و استأصل الطبيب إحداهما ، و جزئا من الباقية ، و دخل لمدة طويلة ، في انقطاع عن الكلام و النطق ، و الم شديد ، و كان دخوله المشفى ، بداية لأحلامه ، بداية لرؤاه الجميلة ...
    السرطان ، ذلك المرض الذي يزحف كرضيع ينمو بشكل سريع ، انتقل من رئتيه إلى باقي جسده ، في سرعة رموش العين ، انتقل بسرعة خاطفة ، خاطفا معه شعر رأس والده السبط بسبب الخضوع للعلاج الكيماوي ! ...

    حاول التعايش مع رؤاه ، و حاول تناسيها ، رغم أن شيئا داخليا ، يصر على أن والده لا يمكن أن يكون على خير ، و أن شيئا ما يدور في كواليس بلاده ، يمنعونه من معرفته ، و يحاولون منعه من الإقتراب منه كمريض بالجذام يخاف منه العدوى !
    أحس كأن كل من يكلمه يعلم بمرض والده ، و كان يقرأ ذلك في عيون أقربائه في المانيا ، و حينما يسأل يكون الغموض سيد الموقف
    في مرة كان مع أحدهم فقال له :
    ـ يعقوب ، ألا تفكر في زيارة للبلد .؟
    ــ أنا للتو هنا ، لم يمر على مجيئي 3 أشهر ، لماذا علي الزيارة ؟
    ــ لا شيء ، ربما تريد أن ترى عائلتك ، هذا ما قصدته !
    ــ نعم أريد فعلا أن أراهم ، غير أن علي الإستقرار أولا
    ــ حسنا
    ــ هل تخفي عني شيئا ما ؟ لا أظن أنك تستطيع أن تخفي عني شيئا ، و إلا لماذا تتحاشى النظر إلى عيوني !!
    ــ لا شيء صدقني ، الأمر لا يدعو للقلق !
    ــ إذا هناك شيء ، و إن لم يستدعي القلق !
    ــ صدقني ، لا شيء لا شيء !
    ــ حسنا
    و الحق أن والدته أصدرت أوامرها بأن لا يعلم هو بما يحدث ، خوفا عليه من تأثير ذلك عليه ، و انتظرت حتى تحسنت حالة والده شيئا ما ، فاخبرته ذات يوم حين الهاتف
    ــ السلام عليك يا أمي
    ــ و عليكم السلام يا بني
    ــ كيف حالك و حال الأسرة ! أين أبي ...
    ــ الحمد لله الكل بخير ، أريد أن أخبرك بشيء ، غير أني أحب أن تتقبله بصدر رحب
    ــ خيرا إن شاء الله ؟ ....
    ــ والدك مريض بسرطان الرئة ، و أظن مرضه ، هو مرض موته إلا أن يتداركه الله برحمة ، و هو يود رؤيتك ، و يجب عليك القدوم من أجل وداعه الوداع الأخير ! كن صبورا يا بني ، قدر الله و ما شاء فعل !
    ــ السجائر ؟
    ــ نعم ، هذا قدر الله يا بني ، تداركه قبل أن يذهب !
    ــ هل حالته سيئة إلى هذه الدرجة ؟
    ــ كلا ، غير أن تجربتي في هذا المجال ، تجعلني أخمن أن مرحلته هذه هي مرحلة ما قبل النهاية ، فكل مرضى السرطان ، يظهر عليه تحسن ملحوظ بفعل الكيماويات حتى يخاله الكل معافى تماما ، غير أن المرض لا يزال يستشري في الجسد !
    ــ حسنا هل يمكنني أن أكلمه ؟
    ــ ليس الآن ، هو الآن يرتاح !
    ــ كم له من الوقت بيننا ؟
    ــ الأعمار و الأقدار بيد الله يا بني ، غير أن جسمه سيصمد لمدة عام و نصف عام على الأكثر ، اليوم لا يعرفه إلا الله تعالى ، غير أن الوصف العلمي لحالته هكذا يوصف
    انحبست كلماته ، أحس بحرقة ، أحس بدوخة ،و شاهد كل شيء أمام عينيه ... طفولته ، شبابه ، لحظات وداعه ، ابتساماته معه ، كل شيء !
    ــ حسنا سابحث عن طائرة ، و أخبرك بالموعد
    ــ حسنا ، و نحن بانتظارك !

    أقفل الهاتف ، و علم أخيرا معاني ما يراه في أحلامه ، و كان قدره أن يرجع بلاده لأول مرة منذ رحل عنها من أجل أن يكتب السطر الأخير في كتابه المشترك مع والده ، و يترك بعد ذلك كله ، كل شيء للمشيئة ، المهم أن مهمته التي من أجلها سيسافر كانت وداع والده ، وداعا لا لقاء بعده إلا في آخرة الرحمن ! آه يا مصطفى ، أهذا هو اللقاء الأخير ! كيف بالله عليه حبس دموعه في حضرته !
    في الطائرة ، كانت ألمانيا تبتعد ، و هو يسد عينيه ، من فرط الألم ، و يتمنى لو أن كل شيء كان حلما ، و سيستفيق منه بعد قليل ، غير أن كل شيء كان واقعا ماديا ! ترجاها أرض المطار أن لا تبتعد ، ترجاها أن تلتصق بجلده ، فهو لا يقدر أن يلعب هذا الدور ، دور المودع الذي عليه ظبط كل شيء ، يودع أحب الناس إليه ، و هو لا يدري ، فوالده أخبر أن المرض زال عنه ، من أجل أن يرتاح ، و لم يعلم أنه مازال يلعب في جسده بشكل أكبر الآن !
    استقبلته والدته ، و صديقه الحميم ، و في الطريق إلى المنزل ، حضراه نفسيا للتحول المهول الذي سيراه حقيقة على صورة والده ، دخل الباب ، و كان مصطفى ، يغتسل في الحمام ، خرج ، فرمقته عيناه ، و هرول إليه بدون وعي و ارتمى في حضنه ، عانقه ، و لولا خوفه على جرح صدره ، لكان ضمه أكثر و أكثر حتى تختنق أضلاعه
    أين مصطفى الذي اعتاده ؟ أين والده ؟ هذه صورة مريضة من والده ، شعره تساقط كليا ، و أصبح كجثة تتحرك ، غير أنه متماسك ، روحه المعنوية عالية ، كذبوا عليك فقالوا أيها الحبيب ! كذبوا عليك أيها الحبيب ، فجعلوك معافا من مرض لا يرحم !
    للتواصل مع الكاتب على الفيسبوك، اضغط هنا :مهدي يعقوب

    إلى الأعلى