اشتقت إلى الكتابة بعد أن انقطعت عنها لمدة تجاوزت الشهرين و لسبب بسيط جدا أنني كنت خائفة من مواجهة نفسي و الوقوف
أمامها بعد أن أفقدتها أشياء كثيرة يصعب علي استردادها، فبعد أن كنت اكتب بطلاقة و دون أي خوف من أي شيء وجدتني فجأة أفكر مائة مرة و مرة قبل أن امسك القلم لأتراجع بعد ذلك و أذهب لفِعل شيء آخر يٌشغلني عن الكتابة و يَرحَمني من العذاب الذي كنت لألقاه لو أنني طاوعت نفسي و كتبت.
علاقتي بالكتابة كعلاقة صديقين اثنين لا يفترقا و لا يُخفيا عن بعضِهما البعض شيئا و يعرفان بعضهما البعض بطريقة مُخيفة و حَميمية، فعندما لا اكتب أشعر و كأنني وحيدة ،عارية ،يتيمة أو طفلة متخلى عنها أو تُركت يداها داخل سوق مكتظ تملأُه الأصوات العالية و الوجوه الغريبة.
لذا عندما اكتب أكون مضطرة لقول الحقيقة، للكشف عن أسراري و بكل تفاصيلها الدقيقة، أجدني مضطرَّة للتعري و خلع كل رداء أو قناع ارتدته قبل الارتماء على الورق.
حين اكتب أتحدث عن مخاوفي و مساوئي بكل صدق دون أن أكون مضطرة للاختباء خلف الأقنعة أو الوجوه المزيفة. . أتحدث عن ضعفي و نقاطه دون أن أخشى أحد،ا كأنني أقف أمام المرآة أحدث نفسي،أعاتبها و أوبِّخها على كل عمل مقزز اقترفته على كل خطأ قدِر ارتكَبَته ،أنعتها بأبشع الأسماء و ارميها بجل أنواع القذف و الشتم ،أمارس عليها قوَّتي حتى أجعلها تبدو صغيرة و ضعيفة للحد الذي يجعَلُها تعترف و تقر بكل ما قد فعلته و أجعلها تندم على كل ما أقدمت عليه.
الحقيقة أن جميع من يمارس الكتابة مثلي و هذا يحتاج ذكاء و فطنة
هذا الذكاء يكمن في أن تعرف كيف تكشف عن كل ما من شانه أن يضرك أو يمارس عليك تهديدا، أن تكتب عن أخطائك و ربما جرائمك بطريقة ذكية تجعل القارئ يشك لكنه يظل غير متأكد أو متأكد من أنك لست البطل و انك مجرد كاتب عاش الحالة و الدور و أتقنه. . لكنها في الحقيقة هويته الأساسية.
الكتابة بالنسبة لي مخدر قادر على أن يفقدني الشعور بكل ما هو حولي ،و قادر على أن يفقدني السيطرة على نفسي حيث أرتمي على الورق كشخص دخل غيبوبة بدلا من أن تجعله يكف عن الكلام زادت من رغبته في الكلام و فضح نفسه و ربما تشويهها .
الكتابة بالنسبة لي حياة، هواء و ماء، رغبة و شهوة ،الكتابة بالنسبة لي احتواء ،أمان و سلاح ،الكتابة وطني و هويتي و البيت الذي ألجأ إليه، الكتابة ملاذ . .
و هذا ما جعلني أعود إليها بعد غياب دام شهرين ،و كان ليطول أكثر لولا أنني خرجت اليوم لآخذ جولة على الشاطئ رفقة بعض من الأصدقاء لأجدني كالغريبة بينهم ،يتحدثون لغات لا أعرفها و ينسجون مواضيع لا تخصني و لا تثيرني،بينما بداخلي ترتفع الأصوات و تعلو الأفكار لكن لا أحد من الموجودين كان ليهتم بما سوف أقول كما يفعل الورق و كما يفعل القارئ.

