أسدل الليل ستارته السوداء,و إنبعثت الأنوار من داخل المحلات و المقاهي, و أرسلت أعمدة الإنارة العمومية أشعتها الصفراء,و إمتلأت الشوارع عن أخرها و ضجت بأصوات الصبية و السيارات و الموسيقى المنبعثة من خلف أبواب بعض امحلات.
لبس عبد الصمد لباسا شبابيا أنيقا, و رجل شعره و تعطر,ثم خرج فرحا ,بشوشا, يداهمه إحساس بالرجولة و الرشد , يمشي على"الكرنيش" و بين كل ثلاث خطوات أو أربع يلقي عليه أحدهم السلام , فيرد بكل تواضع و أدب و الإبتسامة لا تفارق محياه..مرق من باب المقهى مسلطا عينيه نحو هاتفه, و مشى خطوات ثم رفع رأسه,فإذا بنبيل و إبراهيم يجلسان خلف مائدة مستديرة , قد وضع عليها كأسان من القهوة (قهوة حليب ) , و إثنان أخران من الماء الشروب, أشار إليه نبيل بيده , فإبتسم و هز رأسه , ثم تقدم إليهم و جلس بعد أن سلم علهم,و بعد هنيهة فاجأه النادل بإبتسامته الباهته قائلا:
-أش حب الخاطر؟
-قفز عبد الصمد قائلا :
-خلعتيني أ صاحبي , أري لي شي قهوة حليب.
إنصرف النادل و في ظل الإنتعاش و الضحك اللذان كانا يغطيان القعدة , خاض الشباب في الحديث عن حسن فلانة و بشع فلانه.
قال إبراهيم الذي كانوا يلقبونه الدنجوان , لكثرة علاقاته النسائية , و قد كان و سيما , ملامحه رجولية,و إبتسامته جذابة.
-لقد صاحبت أميمة البارحة.
إلتفت إليه عبد الصمد قائلا و علامات التعجب و الإستغراب كست سحنته.
- و ماذا فعلت مع حسناء؟
-ما زلت أرافقها.
إمتط عبد الصمد بصوت مسموع و قال :
- دنجوان!
قهقه نبيل , ثم قال :
- لماذا لا تصاحب يا عبدالصمد ؟
إبتسم الدنجوان و قال بإستغراب :
-عبدالصمد يصاحب! و حرك رأسه إلى اليمين و إلى اليسار.
وبعد مدت من الجلوس نشز عبدالصمد و نبيل و إبراهيم , ثم خرجوا يجولون الشوارع , يمازحون هذا , و يعاكسون تلك..,و يضحكون , حتى جاءت رنات مفاجأة من هاتف عبد الصمد.
-ألو...
- ألو... الواليد
- أين أنت إلى الأن؟
- أنا الأن مع نبيل و إبراهيم
- ماذا تفعل في الشوارع إلى الآن؟, عد إلى المنزل في الحال.
-حاضر
وقف عبدالصمد محنقا,ثم أمسك بحزام سرواله و رفعه إلى الأعلى بعنف شديد و قال:
- ياله تهلاو أ الشباب.
- ياله خويا تهلا.
و بمجرد أن فتح عبدالصمد باب المنزل،وجد السكينة و الهدوء يسودان المكان, صعد الدرج بخفة ,فلم يسمع لنعاله خفق ,ثم وقف و قف أمام الحجرة التي يجلس فيها والده و أمه و التي دهنت جدرانها بطلاء أصفر فاتح, و علقت في جدارها الذي يمتد من الجهة اليسرى للباب تلفازا سوداء,كبيرة الحجم, و مفروشة بفراش متناسق اللألوان يصر الناضرين. نظر عبدالصمد إلى والده خلسة, والده الذي كان مرتفقا على وسادته فوق الكنبة المقابلة للباب, واضعا أمامه إبريق شاي و بضعة كؤوس, و أمه متمددت على ظهرها فوق الكنبة المقابلة لكنبة الأب، رفع الأب رأسه ببطىء مميت ثم قال و شرارات الغضب تتطاير من وجهه.
-أهلا إلى الأن يا إبن الكلب, لماذا تأخرت إلى هذا الوقت؟
تلعثم لسان عبدالصمد حينما أراد الإجابة ,و قال و هو يتمتم كلمات لم تسمع.
قال الأب بهدوء مصطنع :
-إدا أردت أن تعيش في هذا البيت,تأكل و تشرب,فلا تتأخر تانية و إلا ق ... ماعنديش أنا لوطيل هنا.
دخل عبدالصمد حجرته , فبدأت الدموع تنهمر من عينيه دون قصد منه, لقد مغص كلام الأب أحشاءه , و خلق حزازات و عقد داخله و خلف عنده إحساسا بالكره من ناحية أبيه, و لم يستطع النوم إلا بعد ساعات طوال من التفكير و الإنتحاب.
و هذا الصباح,أشرقت شمسه , مرسلة أشعتها إلى وجه إبراهيم عبر نافذة الغرفة, فوقف ,و بعد أن إنتهى من روتينه اليومي , تأنق كعادته , و حمل محفظته على ظهره ,و وجهه مبتسم على عكس عبدالصمد, الذي إستيقظ و وجهه لا زال يتسم بالحزن و الغضب , أما نبيل فكعادته , لطيف الملامح, صبياني السلوك , و في جو ساحة الثانوية المملوؤة بالتلاميذ و الضجيج و الحركة, كسوق السمك , أشرق وجه عبدالصمد, يحملق بعينين جريئتين, غاضبتين , واضعا يداه في جيبي سرواله , فوجد صحبته في مكانهم المعتاد, تقدم إليهم, و عندما أسند ظهره إلى الجدار , إنفجر من الضحك و هو يترنح في مساحة ضيقة , و يضرب يده بالأخرى, إستغرب إبراهيم و نبيل, فسألاه :
- مايضحكك ؟
- أنظرا, و أشار بسبابته إلى الباب الذي يأخذ إلى قاعة الرياضة, فإنفجرا معه من الضحك , ثم وقفوا يترقبون الأحداث .
كان بين هشام و يسرى علاقة حب بلهاء , و الظاهر أنهما قد إختصما ذالك اليوم, خرج هشام من القسم و وجنتيه شديدة الحمرة , كحبتي طماطم , و أنفه كحفرتين من شدة الحنق المصطنع , يمشي و يضرب الأرض برجليه كأنما يريد أن يخرقها, كان هشام قصير القامة , كثير الكلام, شديد الإعجاب بنفسه .
توجد كارسي إسمنتية, قرب باب قاعة الرياضية, خلفها مربع غرست داخله،شجيرات صغيرة و عشب أخضر , و بمجرد أن حرجت يسرى من الباب , داهمها هشام , فحاول إيقافها, فأعرضت عنه , ذاهبتا من الجهة الأخرى, فتعرض لها, ثم رجعت , و تعرض لها مرة أخرى و أمسك ذراعها قائلا :
- ياك أ يسرى سمحتي فيا.
قهقه الشباب و تبادلوا الدعابة , ثم قصدوا القسم و جلسوا في أخر مدرج في "لابوراتوار " عند مادة الفزياء, و بينما كانوا يتأهبون للجلوس, دخل الثنائي و جلسا يداعب كل منهما الأخر ، و بينما الأستاذ يشرح الدرس , كان إبراهيم يتأمل جوانب القسم , غير مبال بالدرس , فنهره الأستاذ , و قال :
- لا تدخل حصصي حتى تحضر ولي أمرك.
رن جرس إنتهت معه ساعتان من التعاسة و الكئابة , أرسل مع موجات صوته المترامية إلى أسماع التلاميذ, موجات من الفرح و السعادة , فهرولوا صوب الباب , حتى إنسد من شدة الإزدحام , خرجوا إلى ساحة الإبداع , إبداع الدعابة, إبداع المزاح و مراقبة الأخرين بعين ساخرة...
للتواصل مع الكاتب على الفيسبوك ، اضغط هنا : اسويدي سيدي محمد

