مقعد هناك . . . تترنح أرجله شاكية ثقل الكتاب، جلده من جودة عالية، عنوانه كلوحة منسية في قلعة مسكونة، بأرواح المبدعين المنفيين . . . لا يفتح إلا في الليالي الممطرة التي تسجن الكل في حضن أربع جدران ، قد تتنفس حروفه في الأعياد و المناسبات، من أنامل بعض الزوار تجذبهم أرواح المبدعين . . . يجلسون أمام حلوة الإستقبال والترحيب، وأعينهم تجوب عناصر المكان تتفحص صحون الزينة، وأواني الفضة، وعندما تقع أعينهم على الكتاب يقع التنويم . . . وتستيقظ فيهم الرغبة الجامحة لتناول صفحاته المنبعث منها بخار كطبق شهي موضوع على شرفة نافذة مطلة على صحراء قاحلة ، الجريء منهم يطرح سؤال بمكره الجميل ويقول لصاحب البيت
-من الواضح أنك تقدر التحف، والكتاب الموضوع هناك أكبر دليل ؟ من كاتبه، وما سره ؟ هل يمكن أن ألقي عليه نظرة؟
فيرد صاحب البيت . . . أكيد تفضل
فيقوم برشاقة عفوية ليحمل الكتاب فيسمع تنهت الخشب القديم كأنها تطلق أنفاس الإنعتاق أو تصرخ بكاءا على توديع الحروف والأفكار والشخصيات التي رفعت من شأن خشبه البالي . . . فتح صديقنا الكتاب . . . فأضاءت أمامه حروف التقديم كأنه دخل حقل الزيتون، بوابته مزينة بشموع تتلألأ فقط موضوعة فوق كؤوس الذهب . . . فيسكن داخل مدخل الكتاب بنظراته الثقيلة تقل الزمان . . . تعلو الضحكات في المجمع القريب منه ، موجود هو أمامهم لكنه داخل الكتاب يبتسم لتلك الحروف المنقوشة بمعانيها الصارخة تكاد تشعل النار في الورق، تتراقص أمامه عارية المعاني، ترقص لتجذبه لفصول قادمة . . .
إنتهى اللقاء، ونظر الكل لصديقنا العائم داخل بحر الخيال ، نائمة هي روحه في حضن الحروف ، إبتسم صاحب البيت وتساءل بابتسامة عريضة على سبب تعلق صديقنا بكتابه المنسي ، فقرر أن يحرر منظر الغرفة من شكل الكتاب الكلاسيكي . . .

