لا تجبريني على الرحيل...
فأنا لم أسأل عن
جمال الوجوه، ولا عن جمال أخر يلصق بالجسد، كنت منذ مدة على علم بأني إن فوتت فرصة
ما سأندم عليها، وهكذا أرسب كل مرة في إمتحاناتي، لأن حلما كان لي يوما أن سألتقي
بك، هكذا كنت أعبر عن الالم، مقتبسا من فلسفة الموت، أقاويل كثيرة، مستعدا لهذا
اليوم.
لا تجبرني على
الرحيل...
فالاخطاء الكثيرة
التي إرتكبتها، ليس تغريرا بي بلعنة الجمال، لكن جمال الروح ما كان لي أن أحقق به
الحلم، لكن لم أحققه بعد، لان البحث المستمر عن جمال الروح، أفقدني جمالا أخر
أمتلكه، جمالا للروح، لم يكن مصطنعا أبدا.
لم تغويني تعاويد
الارض، ولا أوامر السماء، كان الاغواء الوحيد الذي إستطاع أن يهزمني، أن لا أبحث
عن شهوة في جسد، بل شهوة الروح.
كنت أضع صحنا
حديديا على قلبي، ألما ومخافة أن يسرقه مني أحد، أحد ما يحب فقط النزع، منذ ذاك
الحين الذي راودني حلم أن يوما ما سيأتي وأناملي لم تعد تطقطق، أن حلما يتبعني ليل
نهار، ساهيا بين الطرقات، والوديان وفوق الجبال، أن الموت اللعنة التي تخيف
العالم، ستدركني وأنا واقف أو أمشي أو نائم، لا يهم، الموت نصيبنا جميعا، لكن أنا
أدركت أنني سأمارس يوما ما رياضة المشي، وأنا أمشي وصرخة في الارجاء، تبشر العالم
برحيلي على قارعة الطريق، سيسقط مني شيء، كما يسقط إناء ما محدثا صوتا معينا غير
مألوف، وعند إنتباه الجميع، يجدون إنسانا ممتدا، هو في جهة وقلبه في جهة أخرى
واحدهما بعيد عن الاخر، كأنهما لم يكونا يوما متوحدين، جسد هناك وروح هناك،
تفصلهما سنوات ضوئية... كأن قلبا مثل قلبي لم يكن يوما يحرك عضلات إنسان مثلي...
كنت احلم وأنا فقط أعيش متمنيا موتا رحيما، كان في زمن قديم يسمى اليوتنيزيا أو
القتل السليم، لكن عادت الحياة، وقلت لما أتخلص من اليوتنيزيا أو الموت الرحيم
لأعش بسلام.
لكن لا تجبريني عن
الرحيل...
فملامحي لم تعد
تليق بي، الشيب على رأسي، وأسناني تتساقط يوما بعد يوم، والتجاعيد تتشكل كرشومات
الزمن، كل زمن يعبر عنه كتعداد سنوات الشجر، لم تعد تليق ... إنها تنجلي في غير
الزمن وغير المكان، يصبح كل شيء رمادا، وعيناي يغزوهما البياض، وأنا تتلاشى على
قدم وساق، وأنا تتكأ على عكازقديم لرجل عجوز.
لا تجبرني على
الرحيل، فكلما كممت فاه، وأغلقت لساني، وتحدث الانا الغير الانا بلسانه، يصبح
الانا الحقيقي في صفحات الماضي، الاجبار على الرحيل لعبة قديمة، والاسرار لعنة
أيضا، لكن أن نبحث عن وصفة سحرية تشفي أوشام الماضي، بأدوية جن أو جنية لن يفي
بالغرض، فالاصرار لا يكفي، والاجبار لا يكفي، مجبرة على الرحيل، لكن ليس الرحيل
بدون سبب، لن نرحل بدون سبب، لكن رغم كل شيء، هناك حق في الرحيل...
لكن، لا تجبريني
عن/على الرحيل هكذا، أو مثل هكذا، أو دون هكذا...
أفضل وسيلة ممكنة.
إعذري صراحتي أو
حتى وقاحتي، فليس كل الرجال يهتمون بجمال المرأة... ولا يهم لدي حتى وإن إهتموا،
فلن ينتابني نفس شعورهم أبدا، إن كان الامر كذلك، فأنا لست رجلا، أي لست من الرجال
هكذا.
إعذري وقاحتي، لما
نرفض الحب، أو نلتمس من المجتمع أن يعترف بالحب، أو منه ليقرر أو يصرح أو يأذن...
إعذري وقاحتي، هل
الرجال لا يرون فقط الا جمال المرأة؟
قلت: لا تغيري
صورتك...
قالت : إنك تتذكر
صورتي السابقة.
قلت : ولكنك لم
تعودي كما كنت كالسابقة
قالت : صامتت
كثيرا والدموع تنكب من على وجنيتها... ثم نطقت، يمكنك أن تعود بي الى صورتي
السابقة، كما كنت..
قلت: بالنسبة لي
لم تتغيري، لما تحتاجين الى أن أعود بك الى صورتك السابقة.
قالت: يمكنك أن
ترسم لي وجها من الوجوه، يمكنك أن ترسم وجها ما يرضاك، فأنا لم أعد أملك وجها...
قلت : وفي صمت
رهيب طويل وصل الى دواخلي، متتبعا عرقا دمويا قادني مباشرة من الوريد الى الشرايين
الى البطين الى القلب، صمت رهيب فعلا... لم تعدي كما... نحن لسن جنا لنرسم وجوهنا
على أشكال نريد، نحن لا نستطيع أن نعدد في أشكال وجوهنا، نحن نملك واحدا فقط
والزمن يرسم به أشكاله المعهودة، أشكال تختصر مسار حياتنا. أنت مجرد بشرية... أليس
كذلك.
قالت: هل تستطيع
أن تفعل ذلك؟
قلت : لا، لا
أستطيع أن أسرق قلب إمرأة بجمال مستعار، يا للذل من أن أفعل السرقة بمثل هذا !!
وأنا أكل حبات
ليمون، أنزع عنها القشرة لولبيا، كأني في زوبعة في أعماق المحيط، بدون مركب بدون
مغيث...
وأستمر... لا تجبريني على الرحيل، فحب رجل لإمرأة ينتقل
الى حب إمرأة نفسها لرجل أخر خيانة، حينما لا تودع الاول وتشتكي عهره للثاني بدون
سبب، ستنزع عن نفسها كل شيء، وستبدأ في السلخة الاخيرة، تغير جلدها، وملامح وجهها،
وتنزع عن ذكرياتها كل شيء جميل، وتبدأ بالحديث عن كل سيئة وخطيئة.
في حياتي لم أكتب
دون أن أنتعش من مخدر ما، دون أن يزعزع ملكة تفكيري أي شيء... أكتب الان بنقاء
وصفاء، بكل رزانة وتعقل...
والنوم يقفل
مقلتي، يغلق رموش عيني، تذكرت أن السموات والارض أصبحوا أبديين، لكن قلبي مازال
ملئ بالاسى... أصبح كل شيء يتجمد من حولي... وكل الذين يعرفونني يقولون أن قلبك
مازال ملئ بالاسى...
كل من حولي يتجمد،
كل شيء، يأتي الي الان، وهو قريب مني، إنقدني عزيزتي... فأنا مازالت أكتب، ستتجمد
أصابعي، غطيني بمعطفك أو شيء ما منك، فحتى تلك الشمعة المتبقية القادمة الى
النهاية والزوال تتجمد... وها أنا أتجمد، وباقتراب أخر لحظة، يعتريني خطاب ما بيني
وبين نفسي أقول فيه:
-
أنقديني !!!
-
أنا أتجمد...
-
أوراقي، أقلامي، كل شيء...
-
أنا كل أتجمد،
-
فذات يوم أحببت إمرأة...
-
أردت أن أكون معها فقط...
-
أخبرتني أنها تحبني...
-
وقد صدقتها...
ثم على وشك أن
أنام... غمرني شعور مقلق، مزعج شيء ما، وأنا أتصارع مع جني، يريد أن يجرب شعور
بشري، أراد أن يكون بشريا مهما كان الامر، لعل وعسى يريد أن يشعر بالالم الذي يشعر
به البشر، فطلب مني طلبا:
-
أيها البشري : هل يمكن لك أن تقرضني شعورا
بشريا لارى حقا ما يمكن أن ألمسه من حياتهم، عيشهم وأحاسيسهم، مشاعرهم وأفراحهم...
-
أيها الجني : لا يلزمك أن تعرف، فكل شيء
مرتبط بالحب، سيربكك الامر، وتندم حينها أفضع ندم...
-
أيها البشري: هل انت خائف؟
-
ممن؟ أنت بصفتك جني أم ماذا؟
-
نعم أنا...
-
أبدا
-
أتعرف، يمكن لنا أن نتبادل القلب/ الروح
بالجسد، أنا أملك قلبا بما أنك تسعى الى تجربة الاحاسيس والمشاعر والحب، وأنت تملك
جسدا أبديا...
-
طبعا، لنستبدل الامر.. ولكن حذاري من الغرق،
من التقرب من التجمد، العدو اللذوذ للجسد...
-
حذاري أنت أيضا من الموت، من الخوف، من
الاستسلام، من الخيانة، من المشاعر والاحاسيس والحب الميت والباطل.
-
إتفقنا...
بعد حين، وكلانا
ننصرف، وهو يتعرف على بشرية، أحبته كثيرا، رغم أنه جني، لكنها ولكنه أحبته/ـــا
كثيرا، لانها لما وضعت أذنها على مكان القلب وجدته ينبض... تأكدت من وجوده ومن
وجودها فيه، أما البشري في صفة الجني، الذي إستبدل قلبه بالجسد، فقد تعرف على
بشرية، أحبته، وأحبها بالرغم من أنه لا يملك قلبا، وهي تجس مكان نبضات القلب،
وجدته لا يملكه أصلا...
فقالت : لما لا
يمكنني سماع نبضات قلبك؟
قلت: ليس لي قلب.
لقد كان فقط مجرد
صفقة لاحياء جسد لروح جني أخر، يحتاج الى قلب بشري...
نعم، وأنا على
يقين أن الامر لا يحتاج الا الى التهام قلب بشري لاصبح جنيا والى الابد، جني بقلب
بشري تنتهي مهلة الاستبدال وأعود جسدا مرة أخرى بدون أحاسيس وبدون مشاعر...
وفي لهفة بعد صمت
طويل، يمر على الامر سنة ضوئية، تجيب : " لقد إستبدلت أنا أيضا القلب بالجسد،
أعتقدت أنك تحب في الجسد اكثر من القلب، لهذا فعلت الامر..."
-
لا لا أبدا، ليس صحيحا ومطلقا...
-
لا يمكنني أن أعود بشرية، أتركني ألتهم قلب
بشري لأكون اكثر جمالا، لاعود أجمل من جديد.
-
لا لن أتركك، ولن ألتهمه أنا أيضا مستحيل.
-
كيف؟
-
هي لنستعيد قلبك !!!
-
قلبي !!!
-
نعم، وقلبك أنت !!!
-
طبعا وأنا أيضا...
-
لقد إعتقدت أنك تحب هذا الجسد أكثر مما توقعت
من أي شيء أخر !!
-
أبدا، لقد كان قلبي لك دائما.
-
دعني ألتهم القلب، ونقطف الزهور سويــا...
-
لا مستحيل أن أتركك تفعلين هذا الامر...
-
أتعرف.
-
ماذا؟
-
أتركني.
-
وأنا سأفقع عيني، لارى روحك فقط، إن كانت لكي
نظرة أن لا أرى الا الجسد...
-
فلتفعل... لا يهمني الامر...
-
أأحقا.
-
نعم، إفقع عينيك وإقتلع قلبك، لم يعد يهمني
الامر، أتركني أأكل قلوب البشر، لاصبح جنية بلا مشاعر وبلا أحاسيس.
-
تفضلي، فلتأكلي قلبي أولا.
حقا قلوب البشر
دافئة، لكن دموعهم لاذغة ولاذعة، حتى رائحة الزهور رائعة حقا.
للتواصل مع الكاتب على الفيسبوك، اضغط هنا : موحا العناني

