728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    الغاوري~ محمد بنموسى~





    عصام، شاب في مقتبل العمر، ابن حي شعبي. هناك ، حيث ولد ، ينادونه "الغاوري"، بسبب شعره الأشقر و عينيه الزرقاوتين و قامته الطويلة. كان عصام وحيد أبيه الذي توفي و تركه رضيعا لا يتجاوز عمره أشهر عدة، فصار وحيد أمه ، "للا فطومة" ، التي سهرت طوال سنين ، و تعبت أياما و ليالي ، تعمل في بيوت أغنياء المدينة ، تكنس و تمسح و تغسل ، لكي ترسل ابنها الوحيد ، كل يوم إلى مقاعد الدراسة ، من المدرسة الإبتدائية الصغيرة في الحي ، إلى الثانوية ، حتى نال شهادة البكالوريا بتفوق ، و كان أول من ينالها بين أقران حيه، فهناك ، في الجزء المنسي من المدينة ، لا يوجد حظ يكفي للجميع كي ينالوا ما يتمنونه ، يوجد فقط ما يكفي المميزين. أصدقاؤه و جيرانه، الذين كبروا معه، و شاركوه قاعة الدرس، كان كل منهم يتمنى مثل أمنيته، فيرى نفسه طبيبا أو مهندسا، أو على أقل التقديرات معلما أو موظفا، كبروا مثله، و كلما كبروا، صغرت معهم أحلامهم، و رزحت في القاع تحت ثقل الفاقة و ضيق اليد، حتى أتى يوم، أصبحوا فيه كلهم يعملون في البحر أو في البناء نهارا، كما كان آباؤهم و أجدادهم، و يسندون جدران مقهى الحي ليلا، متمسكين بقوة بـ"السبسي"، لعله يصنع لهم أحلاما مؤقتة، تعوضهم عن أحلامهم التي ذهبت أدراج الرياح.
    عصام كان أكثر هؤلاء حظا. نال البكالوريا، و دخل كلية الآداب بالمدينة المجاورة. لا يزال يتذكر ليلة أمسك بالشهادة، بقطعة الكرتون التي كانت أغلى ما يملك يومها. نام واضعا إياها بجانبه في الدرج، و نامت في الدرج أحلامه مزدحمة. ليلتها رأى ألف باب و باب يفتح أمامه، كلها مضيئ مشرق، يقوده نحو المستقبل... عبر باب منها رأى نفسه كاتبا مرموقا، يوقع كتبه للمعجبين، و يلقي على مسامعهم عبارات الخيلاء و الفخر، و عبر باب آخر، خيل له أنه أستاذ جامعي، دكتور ببذلة أنيقة، لا يلبسها أحد هنا في الحي، يتخرج على يديه عشرات الطلبة حاملين أحلامه و أحلامهم ... رأي في نفسه ليلتها ما لم يره فيها من قبل ، و لا من بعد. 
    ذاع خبره في الحي، فقد كان أول أبنائه التحاقا بالجامعة. صار جيرانه جميعا، صغيرهم و كبيرهم، ينادونه "الأستاذ". كان يحب لقب "الغاوري"، و لا يجد فيه انتقاصا، لكنه كان يخجل من لقبه الجديد... "الأستاذ". كان يخجل لإحساسه بخجلهم منه، و مما وصل إليه في حياته، و كان يكره أن يشعر بأنه أعلى قدرا من أهله و جيرانه. كان أغلبهم أميا، فكان ملاذهم الذي يستنجدون به إن وصلتهم ورقة رسمية، أو رسالة من أبنائهم، الذين اغترب كثير منهم في أوروبا، و لم يره أهله منذ سنين. كان إذا قرأ رسالة أحدهم، يحرص على أن لا يقرأ منها ما يحزنهم، كان فقط يخبرهم أن أبناءهم بخير، و أنهم سيأتون الصيف القادم إن استطاعوا. كان يخفي عنهم أخبار المرض و الإفلاس، كيلا يزيد هموما على همهم.
    بعد شهرين، كان يقطع الطريق من مدينته إلى المدينة الأخرى بالحافلة، ذاهبا إلى الكلية أول مرة في حياته. دفع للسائق دراهم معدودة، و بقي معه مثلها للعودة، فقضى يومه جائعا يتجول بين المكاتب. لكنه لم يحس بالجوع إلا لوهلة، فقد كان الأمل يغذيه، و هو يطل على المدرج الكبير، الممتلئ شبابا و شابات في مقتبل أعمارهم، مثله تماما، يزورون الكلية لأول مرة، ليسجلوا أسماءهم و يشاركوه السعي نحو أحلامهم. استصدر بطاقته الجامعية، و خرج عائدا إلى البيت، مزهوا، غير عابئ بالجوع. هو الآن طالب في كلية الآداب، قسم الأدب الفرنسي. في المساء، عندما جلس على المقهى كعادته، محاطا بأصدقاء الطفولة، لم يحب أن يكلمهم عن الكلية و أجوائها. كان يعلم ما بداخل كل منهم من الحسرة و الأسى على مستقبل ضاع دون أن يملكوا سبيلا لمنع ضياعه. بادره خالد : " مشيتي ليوما للكلية؟"، فأجاب مومئا برأسه، مظهرا لعدم الإهتمام. لم يتوقف صديقه عن السؤال، سأله عن الأقسام، عن الفتيات، عن الكتب، و عن كل شيئ. كان يجيب باقتضاب ما استطاع، خوفا من أن يحس أنهم يحسون بالدونية أمامه. 
    مر عامان آخران، و نال إجازته بتميز عن زملائه. مرة أخرى، وضع الكرتونة في الدرج، و نامت في الدرج أحلامه، لكنها كانت أقل بكثير، فقد تكشف له من الواقع ما لم يكن يدركه قبل ثلاث سنوات. رأى هذه المرة أيضا أبوابا مضيئة تفتح له، لكنها كانت أقل بكثير. كان أمله أن يجد وظيفة لدى الدولة كمعلم في درسة أو موظف في إدارة عمومية. هو أيضا كالآخرين، صغرت أحلامه، لكنها لم تتلاش بعد... حتى الآن. بعد أسابيع، تقدم لمباراة التعليم، و لم يجتزها، و لمباراة الوظيفة العمومية، و لم يجتزها، تقدم للعمل في صحيفتين فرفضوه، و رفضته بعدهما عدة شركات. كان كمن يستجدي عملا، يتسول كرسيا يجلس عليه بمقابل، لكن كان يقابل دائما بجواب واحد . "الله يسهل". كان لا يزال على علاقة بليلى، التي جلست هي الأخرى في بيت أبيها، بعدما انغلقت في وجهها أبواب كل شيئ كما حدث معه تماما. لكن حالتها كانت مختلفة، ففي مجتمع كمجتمعه، يمكن للفتاة أن تظل في بيت أبيها أو أخيها حتى يأتي رجل ليأخذها كما أخذت غيرها كثيرات، دون أن يلومها أحد على قعودها عن العمل، أما هو، فكان كل شيئ يلومه كل لحظة. كان وجه أمه الذي تختصر تجاعيده قصة سنين حياته ، يلومه. كان قبر أبيه يلومه. كانت نظرات الجيران و نظرات رفاق المقهى تلومه. "ها هو قرا، شي ما نفعاتوا قرايتو"، كانوا كلهم يقولون هذه الجملة بينهم و بين أنفسهم، و بين بعضهم البعض، دون أن يجرؤ أحد على قولها له أمام عينيه. كان هو أيضا يقولها لنفسه. ما عاد يتحمل نفسه، و لا نظراتهم.
    مر عامه الأول في الكلية صعبا. لم تكن الصعوبة في المواد و المقررات، فقد كان دائما من الأوائل. لكن الصعوبة كانت في أن يرى أحلامه التي بناها منذ الصغر تتهاوى بمعاول الفقر و الحاجة... حاجته لشراء الكتب، لطبع المحاضرات، و حاجات أخرى كثيرة كانت تعرض له، فلا يستطيع إلا أن يقفز عليها و يتجاوزها بطريقة أو بأخرى، و يؤجلها لوقت لاحق. لكن كان لديه في الكلية ما يخفف عنه و لو قليلا من معاناته هذه. كان اسمها ليلى. تعرف إليها في مكتبة الكلية. أعجب بذكائها، و أعجبت برجولته. الفقر كما يقال يصنع الرجال، و حيه كان مصنعا لهم. كان يمضي معها كل وقت فراغه بعد المحاضرات. كان أحيانا يود لو تتأخر الساعة السادسة في القدوم قليلا، عله يقضي معها وقتا أطول. دائما ما كان يخبرها بأنه يتمنى لو سماه أبوه قيسا، كي يلائم اسمها، ليلى. لكنهما كانا روحيان تتلاءمان، بعيدا عن الأسماء، فالأرواح مجهولة، لا أسماء لها.
    كان يرى كل صيف، بعض أبناء جيرانه ممن هاجروا للعمل في الخارج، يعودون للحي، بسياراتهم، و يصحب بعضهم معه زوجة أجنبية، و الكثير من الهدايا و التذكارات لذويه و لمن استطاع من أبناء الحي. كان يراهم ميسورين، فيمني نفسه بأنه بعد عام أو عامين، سينال الإجازة و يعمل، و يصير واحدا منهم، يأتي إلى الحي ليكسب احتراما فوق احترام، و يعيل أمه العجوز، و يساعد من أبناء حيه من أتيح له أن يساعدهم. لم يكن يوما يغريه أن يهاجر أو يبتعد. أمه كانت السبب الأول، و كانت ليلى باقي أسبابه. كان يخاف على أمه إن ذهب و تركها. أما ليلى، فكان يخاف على نفسه إن هو ابتعد عنها.
     بعد أسبوع، كان يشرب الشاي مع أمه عصرا، و أخبرها بفاجعته. سقط من يدها كأس الشاي، و سقط في عينيها كل شيئ. لوهلة، لم تصدق أنه ابنها الذي يكلمها، أو حاولت أن لا تصدق. كانت تعرف قصص شباب كثيرين ذهبوا، و لم يعودوا، و شباب آخرين عادت جثثهم المملحة بماء البحر لتفطر قلوب أمهاتهم. أبناء "خدوج" و "سعيدة" و غيرهم الكثير. كانت تعرف أن البحر لا أمان له، بينما كان هو يرجو منه الأمان الذي لم يجده على أرض وطنه. حاولت بكل طريقة أن تقنعه بأن لا يفعل، دون أن تعود من ذلك بشيئ، سوى ببضع كلمات. أخبرها أنه لا يحتاج شيئا، فالقارب الذي سيحلمه لقدره، أيا كان قدره، سيقلع الليلة. بكت أمه و صرخت، دون أن يؤثر فيه ذلك، فقد كان إصراره على الهرب أكبر من أمه و من دموعها التي لم تنزل يوما بسببه. في الليل، بعد العشاء، دخل البيت عائدا من المقهى، و دلف غرفته. للحظة فرحت أمه ظنا منها أن ابنها تعقل و عاد لرشده و قرر البقاء، لكن دموعها نزلت من جديد عندما خرج حاملا بيده حقيبة صغيرة، جمع بها بعض الملابس. ألقى على الغرفة نظرة كانت كأنها الأخيرة، ثم على البيت، ثم على أمه... اقترب ليقبل رأسها، فأبعدته باكية بيديها الهزيلتين اللتين أسقط الزمان عزمهما، و أسقط هو ما بقي فيهما من قوة. تنهد، بكى، ثم نهض خارجا. كان آخر ما قاله لها قبل أن يسحب خلفه الباب " الله يهنيك آ يمَّا ". لم ترد أمه، وعدها أن يكتب لها هي الأخرى بمجرد أن يصل، و لم يغلق الباب. تمنى لو تلحقه على السلم، لا لشيئ، إلا لتدعو له كما اعتادت كل يوم عند ذهابه للمدرسة "الله يفرشك بالرضا آ وليدي". لم تلحقه أمه، و لم تدع له، فما كان يومها ذاهبا للمدرسة.
    ذات ليلة، كان يجلس مع ليلى في حديقة. أخبرها بنيته السفر. لم يكن يدري إلى من سيذهب، و لا ما سيفعل بعد ذهابه ... لم يكن يدري أي شيئ، و لا واثقا من أي شيئ، عدا ثقته في أنه ما عاد يريد أن يبقى هنا. أصبح يريد الهرب، من بيته الذي كان يؤويه و أمه و يحن عليهما، و من حيه الذي قضى فيه كل عمره... كان يريد الهرب من نفسه أحيانا. رجته أن يعدل عن قراره، و بكت ليلى، و صمد هو أمامها، فيما كان قلبه يذرف دما من بكائها، و من خيبته. وعدها بأن يعود إليها ليأخذها معه عما قريب و أن يكتب لها ما إن يصل، و رجاها أن تنتظره، دون أن يكون واثقا أنه سيعود يوما، و لا أنه سيصل أصلا.
    التقى بليلى عند منعطف بعيد قبل وصوله الشاطئ، أمسك يديها ببرود، و هو الذي كان يلهبهما قبل ذلك. كان يحس بأنه قد لا يعود، و بأنها قد لا تنتظر، لكن القدر كان أقوى منه و منها. رجته ليلى مرة أخيرة، و وعدها مرة أخيرة. فكر للحظة بالبقاء معها، و بأن لا يبتعد، لكنه تذكر أنه ليس لديه ما يبقى ليفعله معها. ما دام لا يستطيع أن يتزوجها هنا، و لا أن يأخذها معه، فليذهب إذن، على أمل أن يعود. قبل جبينها كما اعتاد أن يفعل عند وداعهما، لكنه قبله هذه المرة، كأنها الأولى. كانت الأخيرة، فما أشبه البدايات بالنهايات.
    نزل الشارع سريعا، حادر الرأس، لا يريد أن يرى بعد شيئا يمسكه، يتشبث به، يجره للبقاء. وصل إلى الشاطئ. وجد خالد ينتظره مع شباب آخرين كثر. كانوا أكثر من ثلاثين، و كان آخرهم وصولا. طمأنهم ربان القارب بأن الجو هادئ، و أن رحلتهم ستكون موفقة إن هم صبروا على مشقة الطريق. انطلق القارب مبتعدا عن المدينة، و صغرت أضواءها شيئا فشيئا، و صغرت معها نفسه بداخله. احتقر ذاته أمام دموع أمه و صراخها، و أمام نحيب ليلى و رجائها، لكن لا مفر، فقد ركب سفينة القدر كما يقال، و لا يدري أين قد تنتهي رحلته.
    بعد سنوات، كان "للا فطومة" لا تزال تنتظر رسالة تأخرت من ابنها الذي ذهب و لم يعد لا هو، و لا أخباره، و كانت ليلى، تقف شاردة مع ابنها الصغير، عصام، تنتظر عائدا ربما يأتي به البحر لينفذ وعده، أو برسالة منه على الأقل، تعفيه من وزر انتظارها، و من وزر وعده الذي وعدها إياه على المنعطف.
    فجأة، بعد انقضاء ساعة في عرض البحر، هبت الرياح و بدأت تتلاعب بالقارب يمنة و يسرة، و تتلاعب بأقدار ثلاثين شابا... كانت عاصفة وسط البحر، لم يتوقعها صاحب المركب، فانقلبوا جميعا في المياه المثلجة. غرق منهم من لم يكن يتقن السباحة، و غرق صديقه خالد، بينما تمسك هو ببعض ما بقي من المركب من خشب، و انتظر قدره. كان يحس بقدميه تشلان رويدا تحت الماء، دون أن يملك شيئا حيالهما.
    عندما تبدت أول خيوط الصباح، كان لا يزال يلفظ أنفاسه الأخيرة، و خيل إليه أنه يرى شاطئا. لم يكن شاطئ أوروبا الذي يريد الوصول إليه، بل شاطئ مدينته، و عليه رأى أمه و ليلى تلوحان له. تمنى لو يرد لهما التحية، أو يسبح إليهما، لكنهما كانا آخر ما تراه عيناه. تبسم لرؤيتهما، و ماتت أحلام شاب، و أم، و فتاة، و حي. ماتت أحلام وطن بأكمله.
    في الصباح التالي، كان جنود خفر السواحل الإسبان يحملون من على الشاطئ جثة باردة. كان عصام. مغلق العينين، شاحب الوجه، و على وجهه ترتسم ابتسامة غير مفهومة. كان كمن يريد إخبارهم أنه حقق رغبته،  و وصل إلى مهربه، و لو ميتا.


    للتواصل مع الكاتب على الفيسبوك، اضغط هنا: محمد بنموسى
    إلى الأعلى