728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    حياة مراهقين (2) ~ اسويدي سيدي محمد ~


    هذه أول ليالي رمضان ,تأتي حاملة معها عبقا من رائحة الماضي ,ترجع الناس إلى عاداتهم الغابرة ,من مأكولات و مشروبات و حلويات ,فتشيد أهرام من "الشباكية " بأمر صاحبيها و أخر من التمر و "سليلوا "..
     خرج عبد الصمد من بيته يرفل ,و يستمتع بجو رمضان المميز ,الصافي ,النقي , و إذا بخمسة من رفاقه بينهم إبراهم و نبيل , يجلسون القرفصاء, في ركن مظلم ,متقوقعون عن الناس , يتلذذون السجائر و سحابات الدخان المنبعثة من أفواههم تخيم فوق رؤسهم, تقدم إليهم عبدالصمد فاغرا فاه ,ثم قرفص بجانبهم بعد أن صافحهم واحدا واحدا ,الكل يدخن سواه و نبيل, لكن حب الإستطلاع دفعه إلى أن يجرب , فنظر ذات اليمين و ذات الشمال وقال بصوت خفيض و عنين ذابلتين خجلانتين ،وقد رسمت على سحنته سمات الترجي :
     - أيوب عطيني نجرب .
    لم يتردد أيوب ,فيحاول أن ينصحه أو يردعه , و قبل أن يعطيه السجارة التي تجاوزت النصف , نفخ على رأسها المتقد و مدها له ,لم يفهم عبدالصمد لما نفخ أيوب على رأس السيجارة -لكن دوام الحال من المحال - ,سحب النفس الأول دون أن يستطعم الدخان و لا يدخله إلى صدره ,فوثب عليه أيوب ليعلمه الكيفية الصحيحة لتدخين .
    إتبع عبدالصمد الخطوات كما ينبغي ,و ما أن أدخل كتلة الدخان تلك إلى صدره ,حتى قامت مكونات السيجارة الخبيثة بوظائفها, فطفق يسعل و شعر بدوار شديد في رأسه ,ثم جلس على الأرض مزايلا بين فخذيه و ثقل عليه رأسه فإنبطح على الأرض ... 
    و مع مرور الأيام لم يعد يصيبه الدوار الذي أصابه من ذي قبل ..كل ليلة يصهرون في نفس المكان ,يدخنون و يتمازحون حتى يقطع عليهم آذان الفجر أنسهم  ,فيمضي كل منهم إلى أهله .
     مرت أيام رمضان و عبد الصمد يحترف التدخين يوما بعد يوم ,مع رفاقه العرابذة ,الذين كانوا يتحششون أحيانا و يشربون الجعة ,لكن عبدالصمد إكتفى بالسجائر ,و لم يسلم من ذالك البلاء سوى نبيل .. 
    إنتهى رمضان و بعده أيام العيد , وذات يوم كان عبدالصمد السا مع أصدقائه ,قبالة باب الثانوية ,قرب محل صغير, وضعت أمامه كراسي بيضاء من البلاستيك , و طاولات دائرية مغطاة, بأغلفة صفراء ,يسحب أنفاسا عميقة من سيجارته ,و يخرج الدخان تارة من فمه و تارة من أنفه ,فلمحته إحدى صاحبات أمه دون أن يراها ,و أسرعة بالخبر مندهشة إلى أمه ثم أبيه .
     دخل عبد الصمد البيت مبتسما ,يدندن بصوت منخفض ,فوجد والده واقفا بين الغرف , واضعا يديه على خصره ,و وجهه لا يبشر بخير ,حدجه بإزدراء, ثم تقدم إليه و أمره قائلا : 
    -هات يدك .
     فأعطاه إياها ,ثم رفعها إلى أنفه ,و شهق شاما لها ,و أضاف : 
    -إفتح فمك . 
    ففتحه و إقترب إليه أبوه بأنفه الأفطس ,الذي كأنه مكشوط ,فإذا برائحة السجائر تتضوع منه ,و رفع يده الضخمة إلى أعلى و هوى بها على خده ,صافعا إياه ,صفعة ذات رنين..
    تملص عبدالصمد من قبضته , و قصد المكان الذي كانوا يدخنون فيه ,و جلس وحده ينتحب في زمهرير برد ليلة كالحة ,مظلمة ,دهماء ,شاحبة ,ثم أغمض عينيه في ظل هدوء تام , يفصله كل مرة صوت مواء القطط إذ تتعارك أو أصوات العواصف ,فيشرئب عنقه خوفا ,و يرتجف بدنه بردا , و صوت طقطقة أسنانه كلحن موسيقي متداخل , و بعد ذالك بلحظات ,إفترش الأرض و تغطى بالسماء , موجها نظره إلى غطائه , و أوصاله تتقطع من شدة الحنق.. سرقه النوم من أحضان التفكير .. و بين حين و أخر,يفتح عينيه إثر السم الذي ينفثه البرد في جسده ...

    قصة قصيرة بعنوان " الشرطة في خدمة المواطن " 
    تأليف : اسويدي سيدي محمد 

    -فلان... فلان...فلان 
    - نعم 
    - إستيقظ, الساعة الأن 11:00 
    دفعت الغطاء برجلي ,و جلست أحملق في الظلام ,و أمسح عيناي بأناملي, ثم وقفت فإذا بصدري يؤلمني ألما شديدا ,لبست عليه قميصا مطاطيا ,أبيض اللون ,قصيرا ,لا يتجاوز صرتي ,فخف الألم قليلا ,ثم لبست ثيابي و خرجت .
     اليوم قائظ و الناس صيام و الأزقة خاوية ,مشيت أترنح إلى الشارع الكبير ,ثم وقفت أنتظر سيارة أجرة ,و بعد مدة لمحت سيارة نصفها أبيض و النصف الأخر أزرق , فأشرت بيدي ,و وقفت السيارة , ثم ركبت .
     - السلام عليكم 
    - و عليكم السلام , فين نشاء الله 
    - الكومسارية
     - الكبيرة
     - لا صغيرة 
    - إنشاء الله 
    إنطلق سائق سيارة الأجرة ,ذو اللحية الشمطاء , الطويلة , و لم ينبس بكلمة طوال الطريق.. وقفت السيارة أمام مقر البوليس ,فمددت يدي قائلا :
     - بسم الله
     - بسم الله.. آه ما كينش الصرف؟
     - لا والو
     - كان عليك تقولها لي فاش طلعتي 
    - دابة أش غادي نديرو ؟
     - ما كين ما نديروا , صافي الله يعاون 
    - الله يعاون 
    نزلت من الطاكسي و أدخلت المائة درهم في جيبي ,حاملا أوراقي في اليد الأخرى , و ما أن خطوت خطوات داخل الكوميسارية ,حتى داهمتني لافتة بلاستيكية ,بيضاء , كتب عليها "الشرطة في خدمة المواطن ",فأوجست في نفسي الطمأنينة, و دخلت أرفل , مبنا صغيرا مكون من صفين متقابلين ,الصف الذي على اليمين غرفه ثلاث و الذي على الشمال غرفتين , مكتوب على باب كل غرفة وظائفها , و أخر واحدة في الصف الذي على اليمين , لشواهد الإدارية ,و التي تقابلها لتقديم الشكاوى و الأبحاث , نقرت الباب نقرتين , فرفع الظابط رأسه عن الأوراق التي كان منهمكا فيها و قال بوجه عابس : 
    - إجلس في الخارج حتى أدعوك... 
    - حاضر 
    قعدت إلى جانب بعض المواطنين , أوجههم توحي بالكأبة , فوق كراسي عتيقة ,سوداء , متهالكة , و بعد هنيهة دخلت إمرأة صفراء الوجه , متأبطة يد إبنتها , تمشي مهرولة , و في الوقت ذاته خرج ظابط من غرفة التحقيقات ,طويل القامة ,ذو شعر أسود , و وجه أبيض , أملس , حليق اللحية , ذو صوت أجش , ثم تبعه أخر متوسط القد ,أنيق الملبس , يمشي فاردا صدره ,زهوا و غطرسة ,و بعدها خرج شاب في العشرينيات من عمره , نصف وجهه الأيمن ألصق عليه منديل أبيض ,و يحمل في يده شهادة طبية ,و أمه تقف إلى جانبه , طلب منها الظابط إخراج الشهادة الطبية الأصلية ,فأسرعت منفذة الأمر , و لم تستطع إيجادها لكثرة الأوراق المكدسة في محفظتها , فسرخ الظابط في وجهها قائلا : - واش كا تبيعي الزريعة .. طلقي راسك 
    و بعد ذلك بدقائق , أخرجوا شابا أخر ,قصير القامة , مقوص الظهر , واضعين في يديه أساور من حديد , فإعترضت أمه طريقهم , فوكزها أحدهما و قال بإستخفاف : 
    -إلى بغيتي تجيبي ليه شي فطور ولا شي حاجة ,را هو فالكومسارية الكبيرة .
     فجلست الأم, ذات الوجه الأصفر , نجلاء العيون , و الدموع تتساقط من عينيها , و صوت أنينها, كصوت صبي أصابه ألم في بطنه ,و بينما كانت تشد شعرها و تضرب فخذيها , دخل رجل مهندم ,فوقف له الشرطي الجالس عند الباب و رفع يده إلى جبينه , تخطى الرجل الناس و دخل المكتب دون إنتظار , فتصاعد صوت الظابط بالترحيب .. و بعد أن خرج , سمعت صوتا صادرا من المكتب الذي كان فيه يقول :
     - عشية نجيبهم ليك حتى لدار 
    - الله يجازيك بخير 
    ثم إنصرف , و وقفت الأم و عيناها تكادا تخرجان من مكانهما ,تبحث عن صاحب الشكاية المقدمة ضد إبنها , و ما أن وجدته حتى طفقت تتوسله و تترجاه , و هو يرفض , ثم إنكبت عليه تقبل رأسه و يداه و هي غارقة في دموعها , و هو متصلب على رأيه , مل من توسلها و ذلها له , فحمل محفظته اليدوية و غادر .
     ها هو الشرطي أنيق اللباس , يتقدم إلي يجر ذيله و يسألني : 
    - أش عندك أخويا ؟
     - لا غير بغيت نقاد شي وراق. 
    ثم إلتفت إلى شاب أخر كان يجلس قبالتي , وجهه تعيس , عليه علامات الذعر و الهلع , نظر إليه متفرسا إياه وقال : - شنو نوع الشكاية ديالك ؟
     - واحد الراجل كنت خدام عندو سبع شهور و ما خلصنيش .
     - مشيتي عند الشاف د طرافاي 
    - آه ..مشيت عندو و قال لي سير لمحكمة , و سيفطني الوكيل عندكم . 
    - ياله سير حتى لغدا 
    - وخا .. شكرا .
     و عندما هم بالخروج , صدمه أخر عند الباب و قال :
     - سمح لي .
     أجابه مبتسما 
    - هانيا
     و نحنى على مفاتيحه ,ثم حملها و دخل , و بعد ذالك بلحظات , مرق ظابط من باب المكتب و إلتفت إليه بنصفه العلوي ,و زمجر قائلا : 
    - شوف أ صاحبي راه قلنا لك لي كاين , أنت وقع لك هاد شي نهار 25
     قاطعه قائلا : 
    - لا 30 , شهر 5 
    - و ليوم شحال فشهر
     -ليوم 25 
    - شهر أش 
    -شهر 6
    -إيوا فين كنت هاد شهر ديال ليام 
    وبدأ يلقنه درسا في ظوابط تقديم الشكوى... سمعت أحدا يناديني من داخل  غرفة الشواهد الإدارية ،
    فدخلت إليه مسرعاً، رفع رأسه إلي وقال : 
    -إجلس
    فجلست , ختم الشهادة و سلمني إياها ،ثم دفعت 20 درهما ، و أدبرته موليا

    الخروج من مستنقع فرويد 

    بقلم اسويدي سيدي محمد 

    إن النفس بالنسبة لفرويد تنقسم إلى جزأين, أولهما, جانب غرائزي , شهواني , يجب أن تلبى طلباته و تشبع رغباته, أما الجانب الثاني , فهو بيئة مادية , هي مجال لتنفيسها و محل فعلها و إنفعالها . 

    و من المعروف عند دارسي علم النفس, و متبعي المنهج الفرويدي , أن تصرفات الأطفال, تسند في تحليلها إلي عقدة أديب بالنسبة للذكور , و عقدة إلكترا بالنسبة للإناث , فالطفل الرضيع في تصور فرويد , كل ما يقوم به ،فهو بدافع الشهوة, يمسك ثدي أمه بشهوة, و يمتصه بشهوة... أما البنت , فتلعب في لحية أبيها بشهوة, و تقبله و تحسس عليه بشهوة , وهذا كله من الشطحات الفرويدية, التي لا تمت للحقيقة بصلة , كما أنها تنافي الفطرة البشرية , و تخالف المنطق, فكيف لمن مازال لا يعي ما حوله و لا يدركه أن يكون نجسا إلى هذه الدرجة. 

    إن فرويد, و الذين يسيرون على نهجه من أطباء النفس , يلجؤون إلى التنفيس و التفريغ كوسيلة لمعالجة الأمراض النفسية , فهم يقرون أن الشخص مريض و يعالجونه بالتنفيس أو التنويم المغناطيسي , و هذا إن دل على شيء إنما يدل على فشلهم في التوصل إلى علاج, يأمرون المريض أن يشرب الخمر أو أن يرقص أو يسرخ ..لينسى. 

    أما إذا أردنا الحديث عن فترة تكوين الشخصية, فنجد أن النسق الفرويدي , يقول أنها تتكون في الست سنوات الأولى, من حياة الطفل , لتحدد سلوكياته و نفسيته إلى ما تبقى من عمره, و نحن لدينا أمثلة عديدة تنفي هذا الكلام و ترده, فمثلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه , كان في الجاهلية , عدو الإسلام , سكيرا , جامعا لجملة من سمات الشر, و محاربا للإسلام بلسانه البليغ و سيفه المهند, و هاهو بعد أن دخل الإسلام أصبح الفاروق , ثاني الخلفاء الراشدين و أحد العشر المبشرين بالجنة... فهذا مثال يبين لنا أن الشخصية, قابلة لتغيير في أي وقت.

     لكن الإسلام له نظرة مختلفة تماما,فالسلوكيات و النفسية بالنسبة له , تقوم على أساس الحرية, و ليس لمرحلة معينة من الحياة أو لشخص معين أو لشيطان عليها سلطان, و قد قال الله تعالى لشيطان اللعين "عبادي ليس لك عليهم سلطان" و من هذا نستنتج أن النفس, ليست غرائز و شهوات يجب إشباعها , و أي علم نفس هذا الذي يدعوا إلى إفساد النفس و قتلها تدريجيا, كمن يعالج السرطان أو السيدا بالمراهم .

     إن علاج النفس الإسلامي, يختلف إختلافا كبيرا مع نظيره الفرويدي , فطب النفس الإسلامي ,يجعل المريض يعترف بمرضه , و هذه المرحلة هي التي سماها الدكتور مصطفى محمود في كتابه "السؤال الحائر " مرحلة تفريغ الإناء , ثم تأتي مرحلة التوبة و قطع الصلة مع تلك الفواحش , ثم المرحلة الأخيرة ,و هي قمع الشهوات ,فمن كان سكيرا ,يقاطعه , و من كان بخيلا ,ينفق ,و من كان كثير النظر إلى النساء , متفحصا لهن ,يغضض من بصره , و بهذه الطريقة ,نكون قد إستأصلنا الداء من جذوره , و قضينا عليه تماما و أحللنا مكانه ما هو أحسن . و

     قد قال. الدكتور مصطفى محمود في كتابه السؤال الحائر "و ما الأمراض النفسية إلا حالات الغربة و المعاناة , التي تعانيها النفس , لبعدها عن الله و إنقطاعها عن مدده" , و هذا يدعونا إلى خلق علاقة روحية مع الله و الإكثار من ذكره , و عدم نسيانه و هو الذي قال "نسوا الله فأنساهم أنفسهم ".

     ختاما فإن علم النفس الفرويدي ,تنقصه الشمولية و الكلية على عكس علم النفس الإسلامي، فهو شامل، كلي و قائم بذاته.

    للتواصل مع الكاتب على الفيسبوك ، اضغط هنا : اسويدي سيدي محمد


    إلى الأعلى