728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    يوميات مهاجر إلى بلاد الجرمان 22 ~ مهدي يعقوب ~

     البريد ذلك العالم الحبيب 2


    فكان يعشقه لكلماته ، و يذعن له ، غير أن طلباته ، لم تكن كثيرة ، كما كانت هي طلبات إخوانه ، بل كان يستحيي دائما أن يطلب من أبيه النقود ، حتى إذا أتى آخر الشهر جاء والده ، و دس في جيوبه بعضا منها ، و هو يعرف مسبقا أين و متى و على ماذا ستصرف ، فكان مطمئن البال ، و علم بينه و بين نفسه أنه و لا فخر ، لن يلاقي في تربية ابنه البكر صعوبات تذكر ، اللهم محاولاته العقيمة معه أن يخرج و يمرح مع أقرانه ، إلا أنه كان يعتذر مبتسما ، فعالمه الذي كان طفولته فيه يمارس ، عالم لا تدركه الأبصار ، أو على الأقل أبصار أقرانه ، أو حتى والديه ...
    في اليوم الموالي ذهب و أمضى العقد ، و كان عقدا تنتهي صلاحيته بعد 3 اشهر تجريبية ، يمضي بعدها إذا أبدى تجاوبا و براعة في شغله ، عقدا بدون قيمة زمنية محددة ، و الحق أن مشغلته أخبرته مجازا ، أن من يمضي معها عقدا تجريبيا ، فقد ضمن بشكل جزئي مبدئي بقاءه في تلك الوظيفة ، فقد أخبرته أنه ليس من عادتها أن تطرد مستخدميها إلا في أضيق الظروف ، الشيء الذي أراحه شيئا ما ، ممنيا نفسه ببدايات حياة رائعة !

    صباح يوم جديد ، صباح كان له أن يغير وجه عاداته ، استفاق في الفجر ، و أبى أن يداعب النوم جفنيه كما يفعل دائما ، لضيق الفترة الزمنية التي تربط الفجر ، بموعد خروجه من المنزل من أجل استلام وظيفته الجديدة ، استقل دراجته الهوائية ، و قصد العنوان المذكور ، و كانت الشوارع لا تزال خالية ، إلا من بعض العمال الئين تبدأ فترات عملهم موازية للسادسة صباحا ، وصل إلى مكان عمله ، و كان عبارة عن مكان فسيح ، صفت فيه مكاتب ، ووجد هناك الكثير من زملائه ، دخل على استحياء ، و حيا الجميع بصوت خافت ، فردوا تحيته ، بابتسامات خائفة ، و لم يكن ذلك ليثير استعجابه ، فقد اعتاد ذلك ، و فجأة سمع صوتا من ورائه يخاطبه :
    ــ ياااكوب ؟ 
    ــ نعم سيدي 
    ــ أنا رئيسك في العمل ، و اسمي ديتمر ، تشرفت بلقائك !
    ــ و أنا أيضا 
    ــ لا تستح من زملائك ، سترى مع مرور الأيام أننا نكون فريقا منسجما هنا ، و فترتنا الصباحية في المكاتب لا تخلو من مزاح و دعابة و ضحك ! 
    ــ هذا شيء يطمئن يا سيدي ، فأنا أيضا لا أستطيب الأجواء القاتمة !
    ــ حسنا ، هذا بيتر ، و هو الذي كان يشغل المنصب الذي ستشغله حاليا ، و هو سيساعدك الآن و يريك خريطة عملك ، قبل أن يغادرك بعد غد ...
    ـــ بعد غد ؟ أليست هذه الفترة قليلة نسبيا ؟ أخاف أن لا أتقن عملي من أول وهلة هكذا !
    فتدخل بيتر قائلا :
    ــ كان بودي أن أبقى معك أكثر ، غير أن سفري يمنعني ، على كل لن تصادف مشاكل في هذا العمل ، كل الزملاء سيهبون لمساعدتك في حال استعصى عليك أمر 
    ــ حسنا يا بيتر شكرا 
    ــ حسنا ، سأذهب إلى مكتبي في حال احتجت شيئا ما 
    ــ حسنا يا ديتمر ، أشكرك 
    جلس يااكوب إلى جانب بيتر ، و هو يرمق ما يفعل ، و كان يريه تقسيم الرسائل التي يجب عليه تفريقها ، و أعطاه لائحة من 5 أوراق مسطور فيها اسماء و عناوين المواطنين الئين معهم سيتعامل ، و بدا له الأمر صعبا في البداية ، المهم ، أن نصف العمل ينجز في المكتب ، و كان واعد نفسه أن يصنع لنفسه خطة خاصة به مخالفة عن تلك التي يستخدمها بيتر في الشغل ، فذلك سيسهل الأمر عليه من ناحية ، و من ناحية أخرى فالخطة الموضوعة من طرف الشخص نفسه نادرا ما تنسى ، حتى و إن كانت خاطئة أو وجد ما هو أحسن منها ، فمع مرور الزمن ، سيتعلم من أخطائه و يصححها ، و يرسم لنفسه طريقا مغايرا 
    ـــ هيا يا ياكوب ، هناك دراجة في الخلف خدها ، و اتبعني !
    ــ حسنا ، يبدو الأمر مسليا ، كنت في بلدي أمتطي الدراجة ، و كان ذلك مغامرة في حد ذاته ، أما هنا في ألمانيا ، فالأمر مختلف ، يمكنني القيادة ، بكل أمان !
    ــ التسلية الحقة ستأتيك بعد أن يتعود الناس عليك !
    تبعه ، و رأى ما يفعل ، و كان بيتر سريعا جدا ، و لم يتمكن حقا من اتباع خطاه ، و مر اليومان في سرعة البرق ، و كان عليه في اليوم الثالث أن يتدبر شؤونه بنفسه ، و هذا ما كان ، غير أن يومه الأول كان شاقا جدا ، لم ينته منه إلى حدود الثانية بعد الزوال ، و لم يكن ديتمر ليعاتبه ، بل انتظره في المكتب ، حتى قدم ، لأنه كان آخر شخص أنهى جولته غير أنه كان سعيدا ... لأنه علم ، تلقائيا ، أنه نجح في أول اختبار له ، و كان حريصا على إتقان كل ما يعمله ، حتى لو تطلب منه الأمر الكثير من الجهد و الوقت 
    مع مرور الوقت اصبح يعقوب يعتاد عمله ، و أصبح له مع زملائه في العمل الفة ملحوظة ، و أصبح يفوق أقرانه و زملاءه حتى أصبحوا يطلقون عليه لقب : الإرهابي الصغير صاحب السجاد السحري ، في دلالة على سرعته ، و قد كان سريعا حقا ، و كان يجري بدراجته في المكان المخصص لمشي الدراجات بسرعة مذهلة ، و مشغل الأقراص في أذنيه ، و ساعده على سرعته حفظه لمنطقته التي تتجاوز ال 5 كيلومترات ، فحفظ الأسماء تقريبا ، و المحلات التجارية ، و أصبح عمله نزهة له ، نزهة حقيقة أحبها من كل قلبه ، و لعل ذلك ما جعله يحب عمله حتى النخاع حتى قال له رئيسه في العمل ذات مرة ممازحا :
    اسمع يا يااكوب ، إذا وقع لك حادث و مشغل الأقراص في أذنيك ، فلن ارحمك ، و اعلم أنك في تلك الحالة تكون غير مؤمن على الحوادث 
    فأجابه 
    ــ يا ديتمر ، يا ديتمر ، كم مرة يجب علي أن أخبرك أنني أسخن أذناي فقط 
    ــ نعم نعم ! المهم أنا نصحتك فقط
    كانت وظيفته محببة إليه جدا ، كان يحبها حبا جما ، و كان يعمل عمله بإخلاص شديد ، و يحرص على أن لا يقترف أخطاء ، و هذا ما أعجب رئيسه في العمل ، و ما أعجب زملاؤه ، و لحسن قدره ، أن البريد الذي كان يوصله ، لم يكن بريدا عاديا ، بل كان يوصل الفواتير ، و أحكام الإفراغ بالنسبة للمكترين الذين لم يدفعوا واجب الكراء ، و نحو ذلك ، فكان الزبناء الذين إليهم يوصل الرسائل يرحبون به ، و يمتعضون في نفس الوقت ، و ينتظرون رسائلهم بلهفة ، لينظروا ما تحوي ، و كثيرا ما كان يكافئ حسب المناسبات ، ففي أعياد الميلاد ، كان يحصل على الشوكولاتا و النقود ، و في الأيام العادية ، و إذا قدر له أن يوصل رسائلا لمتاجر معينة ، أو لخضار مثلا ، يفوز بتفاحة أو بمانجا، استمتع بعمله أيما استمتاع ، و كان أحسن الأعمال التي عملها في المانيا على الإطلاق ، و لم تكن المهنة ممتهنة قط بين الناس ، بل كان ساعي البريد يرتقي مكانة جميلة بين المجتمع ، باعتباره أداة الوصل بين المؤسسات الحكومية ، المختلفة و بين أفراد المجتمع الألماني ، و كانت وظيفته ايضا مصدر ثقافته ، فقد كان يحصل على الجرائد مجانا باعتبار شركته ، المسؤول عن توزيع الجرائد و الصحف ، فكان يأتي كل صباح ، و يحصل على نسخته مجانا ، فيقرأ ما تيسر مطالعا الأخبار بعد أن يكون قد رتب رسائله حسن المناطق ، فبعد أن كان يستغرق ساعة من أجل إنجاز ذلك أصبح ينجز ذلك في 15 دقيقة ، ليتبقى له بعد ذلك من الوقت الكثير ، فيه يقرأ الجرائد ، أو يشرب حليب الصباح ، أو يخرج قبل موعده ، لينتهي باكرا ، من أجل أن يرجع إلى منزله مبكرا ... و كانت جملته المعتادة : صباح الخير لدي بريد !! جملة محببة لسامعه ، حتى أن من بين المواقف المضحكة ، أن هناك كشكا تشرف عليه سيدة المانية عجوز ، و كانت كل يوم تتوصل ببريدها ، فكان حينما يردد جملته المعهودة تجيبه هي بكلمة نعم و هي بالالمانية : ياااااا بشكل منغم ملحون ، مثير للضحك ، فيبادلها الضحك ، و يناولها بريدها ، لتتمنى له بعد ذلك قضاء يوم سعيد ...
    و كان المكتب بالنسبة إليه أكثر الأماكن التي تجعله يغرق في ضحك متواصل من القلب ، فبعض الألمان ، و الزملاء ، يبدعون في السخرية من حكوماتهم ، و البحث عن طرائف يقللون بها من روتين اليوم ، غير أن العامل المشترك بينهم كان حبهم لوضيفتهم ، فالبريد كان بالنسبة إليهم ، عالما فريدا ، و نافذة من خلالها يطلون على الشارع الألماني ، بتطلعاته ، آماله و همومه التي لا تحصى ، و كان مغمرة في حد ذاتها ، حينما يأتي فصل الشتاء ، و تمتلئ الأرض بياضا ، فيصبح عليهم ، و هم سواق الدراجات الهوائية ، أن يحافظوا على سلامة الرسائل ، و في نفس الوقت ، يحافظون على توازن دراجاتهم ، البريد ، ذلك العالم الحبيب ، الذي طالما احترمه ، كان له عالما ، فوق كل العوالم ، و لا يظن أن كل الناس أحبت أو تحب وظيفتها ، كما تعلق هو به قلبه ، فأحسه كشخص عزيز عليه ، يصعب عليه فراقه ...

    للتواصل مع الكاتب على الفيسبوك، اضغط هنا :مهدي يعقوب

    إلى الأعلى