كان الوقتُ
فجراً حين حطَّتني سيارةُ الأجرةِ الزرقاء التي قلّتني من المطار صوب حي الفرح
أمام باب المنزل. وضعت الحقائبَ جانبا وجسدي يرتعشُ من قمة الرأس إلى أخمصِ
القدمين وكأن بي صرع وأنا واقف أمام الباب أتأَهّبُ لطرقه ذلك أنني أكن قد أخبرت
زوجتي مسبقا بموعد وصولي حتى لا ينشغل بالها..
وأنا
أرفع يدي اليمنى لأقرع الباب، كان التوجس والخوف يعصفان بكياني عصفا، والأفكار تتصادم وتتلاطم داخل عقلي كأمواج عاتية في ليلةٍ عاصفة فترمي به
على شاطئ الذكريات الغابرة، والقلق يحتشد داخلي ويجثم على أنفاسي التي تكاد
تنقطع. قرعت الباب قرعتين خفيفتين كسرتا أغلال الصمت التي تلتف حولي ثم تناهي إلى
سمعي في تلك اللحظات دبيب أقدام قادم نحو الباب، أحسست حينئذ بدقات قلبي تتسارع،
وسرت في جسدي قشعريرة باردة كادت تفقدني توازني المفقود مسبقا...
سطعَ
ضوء المصباح المعلَّق فوق الباب مُمزقا ما بقي من خيوط الظلام، وعلى الأثر فُتِحَ
الباب وبرز وجه "حسنية" أمام عينيّ اللامعتين وهو يطل من الباب، لم
أستطع تمالك نفسي فألقيت بجسدي الثقيل عليها كما يُلقي طفل مفزوعٌ بجسده الصغير في
حضن أمه دون أن أنبس ببنت شفة. أمسكتْ بي وهي تعانق "جثتي" عناقا حارا
يَنِمُّ عن حنين طالت مدة احتجازه خلف زنازين الغياب الباردة والمظلمة. قالت وهي
تَهيِم بأصابعها في وجهي وتحملق فيه مشدوهة الحواس كما لو كانت تراه لأول مرة:
ـ
محمد، لا أكاد أصدق عينيّ، حمدا لله على سلامتك..
أجبتُ
بصوت مبحوح وأنا أرفع "جمجمتي" المطأطأة قسرا جراء التعب، وأمسح الدموع
الخرساء المنسابة على وجنتيَّ:
ـ
وصلت أمس ليلا، لم أشأ أن أُشْغِل بالك بوقت عودتي، لذلك لم أُطْلِعك على الأمر
وأبقيته سرا بيني وبين نفسي..
ــ
الحمد لله على سلامتك، قالت وهي تحمل الحقائب في يديها، وتدلف إلى الداخل،
وأنا أتبعها بجسد منهار بعد أن أوصدت الباب خلفي..
ما
إن وصلت البهو حتى تهاويت فوق الكنبة المثبتة في وسطه، أتابع بعينين شبه مغمضتين
"حسنية" وهي تضع الحقائب في غرفة النوم قبل أن تتوجه صوب المطبخ لتعد
الفطور. كنت قد استرجعت بعضا من أنفاسي و قليلا من روحي وأنا متكئ على الكنبة مغمض
العينين. بعد مضي بضع دقائق من الاسترخاء فتحت عيني مكرها ذلك أنني لم أشأ
الاستسلام لرغبة النوم التي كانت تجتاحني اجتياحا، فشرعت أتأمل الجدران وأجيل
ببصري فيها؛ ثمة صورة فوتوغرافية متوسطة الحجم، ذات إطار
خشبي معلقة على الجدار المقابل لمكان جلوسي، " في وسط الصورة يظهر محمد ذلك
الشاب البشوش، البهي المُحيّا، ذو شارب كثيف ووجه ممتلئ، وشعر أسود كثيف مصفف
بعناية وبذلة أنيقة، ذلك الشاب الذي لم يعد منه سوى الاسم بعدما سرقت الغربة كل
ملامحه ولم تترك شيئا، شارب منتوف شعره وقد بدأ الشيب يغزوه غزوا، ووجه نحيف شقت
فيه التجاعيد أتلامها بلا هوادة، وعينين غائرتين كجحر فأر..بجانبه في الصورة كانت
تقف "حسنية" وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة عريضة وهي تحضن طفلا صغيرا
لم يطفئ بعد شمعته الأولى"، في تلك اللحظات داهمني سيل من الذكريات الجارفة
وتراءت لي صور من الماضي، "كانت حسنية واقفة أمام باب المنزل تضم ملكنا
الصغير إلى صدرها وهي تحاول تهدئته ببعض الألعاب، كان بكاؤه حادا لدرجة خِلته صليل
رماح تغرز في جسدي وأنا أطل من الشاحنة التي كانت تقودنا صوب الميناء ومن ثمة إلى
ما وراء البحر إلى "بلاد النصارى"، إلى ظلمات الغربة"...
للتواصل مع الكاتب على الفيسبوك، اضغط هنا: عبد الوهاب اوذاير

