" عدت من الجندية، وصدري، ظهري موشوم بعلامات رصاصات الغذر،
أكتافي ترك عليها علامات السلاح، وجيوبي مثقوبة بسبب المتفجرات، وأسنان مكسرة بسبب
فك زر كل قنبلة...
عدت من الجندية، وكل تلك الاحلام التي
تركتها في مذكراتي المتشائمة، أسترجعها لما خانني الزمن، وتعدى على كرامتي
الماضي... ولم اكن حتى في أي ورقة من تاريخ الوطن، عفوا الذين دفعوا عن الوطن، حقا
ليس هذا أني لست جنديا ملتزما، بل الالتزام الذي مزقني، هو كيف أمكن لي ترك الوطن،
تمزقه مخالب الماكرين...
تركت الوطن، يشرح ويشتت ويقطع على أشكال
مختلفة، أتعبت نفسي في ألصاقها على الخريطة، وما بالك في ميدان المعركة... طبعا
لست خائنا للدفاع عن الوطن ولا مترددا، بل سؤال مزق مظلتي، وأسقط طائرتي، على أي
وطن أحارب...؟
القلق الاكبر الذي هدد حياتي هي تلك
الاسلحة الكثيرة المشتتة على طول الحدود، من أجل من؟ دفاعا عن الارض، أي أرض إذن،
تلك التي بعثر الانسان ترابها، وإقتلع أشجارها، وأزهارها، وقتل حيواناتها...
الاسلحة أيها الاصدقاء، سرطان في يد الانسان، أسلحة خلفت الكثير من المعطوبين،
والاموات والايتام والدمار.
لما أنا أحرس حدودا مصطنعة، حدودا كانت في
ما مضى معبرا للاحرار، طرقا للأخيار، اليوم في كل قرية يصنع حدا وحاجزا، سياسيا،
ثقافيا، أدبيا... حواجز متنوعة يحرصها جندي، بأمر من إيديولوجية متتخلفة، أتعبت
الكثير في الدفاع عنها بدون فهم وإدراك وراء سبب الدفاع والحماية...؟
كانت عودتي من الجندية، حرية مطلقة تنفست على اثرها الصعداء، وتمكنت من خلالها الاحساس بإنسانيتي، رغم الحروب والصراعات التي مارست فيها يداي عنفا وخرابا، لا أريد أن تشعروا بالخيبة، ولا أريد أن أقول لكم أن تعفوا عن أخطائي، أريد فقط أن أحضن تراب هذه الارض كاملة، وأشعر برائحتها الزكية النقية، وأركل الرواسب والاوحال وحتى الرمال.
كانت مهمتي أن أحمي اراضي الوطن، من المتسللين والمهاجرين وكل أصناف المخربين والارهابيين، بمعنى أي تهديد محتمل، يمكن أن تنشب حروبا لا متناهية، لكن احتضاني للارض، علمني أن فقط أحمي أسيادا أكثر من أعداء الوطن، أعلنت الانسحاب من المعسكرات، وأعلنت مللي الدفاع عن الوهم، عن الخيالات التي تتشكل من حبات الرمال التي تتناثر من بعيد جراء عواصف رملية...
كانت عودتي من الجندية، حرية مطلقة تنفست على اثرها الصعداء، وتمكنت من خلالها الاحساس بإنسانيتي، رغم الحروب والصراعات التي مارست فيها يداي عنفا وخرابا، لا أريد أن تشعروا بالخيبة، ولا أريد أن أقول لكم أن تعفوا عن أخطائي، أريد فقط أن أحضن تراب هذه الارض كاملة، وأشعر برائحتها الزكية النقية، وأركل الرواسب والاوحال وحتى الرمال.
كانت مهمتي أن أحمي اراضي الوطن، من المتسللين والمهاجرين وكل أصناف المخربين والارهابيين، بمعنى أي تهديد محتمل، يمكن أن تنشب حروبا لا متناهية، لكن احتضاني للارض، علمني أن فقط أحمي أسيادا أكثر من أعداء الوطن، أعلنت الانسحاب من المعسكرات، وأعلنت مللي الدفاع عن الوهم، عن الخيالات التي تتشكل من حبات الرمال التي تتناثر من بعيد جراء عواصف رملية...
أحمي الوطن...؟
ممن، أحمي نفسي أولا، وأنا مقبل على
الزواج، الزواج بروحي التي هربت مني جراء اصوات المدافع والقنابل، لقد أرادوا أن
أركع وأشرب من خمور الزمان المغوار، وأتقل كتفي بقلادات فارغة لا ترمز الا الى
العنف والقتل، صرخت في وجهي قبل أن أصرخ في وجههم، هل يمكن لكم أن تحاكموني
عسكريا، أنا أريد أن أستقيل، فحقول والدي الزكية، وترابها الخالد أفضل من حماية
أنظمة، هي في الاصل تريد إنتزاع تلك الحقول والبساتين التي ولد عليها أبي، وقد
تركها له جدي، لأكون الوريث الوحيد لها...
أحمي الوطن أيها الجندي... فالسلاح الذي
على أكتافك لم يكن ديكورا ولم يكن شيئا خلق هكذا، بل للدفاع عن كل حفنة من هذه
التراب... هكذا كان صراخ أحدهم في وجهي، لما أعلنت تمردي، قال أنت خائن، يحق فيك
الاعدام...
قلت : الاعدام أيها الجنرال، لا يكون هكذا،
الاعدام هو أن تنتزع من الارض وفي الاخير أحمل سلاحا أجنبيا للدفاع عنها، أليس
غباءا منك أن تدرك أنك فقط يد من حديد تضرب كل حق... الاعدام أيها الجنرال، هو هذا
الذي تمارسه ضد الوطن، وقد أقسمت على الدفاع عنه، في مقابل أنت الاول من يخونه...
قال : جندي بليد... أتعرف ما هي عقوبة من يخالف الاوامر؟
قلت له : لا
أجاب : أكثر مما تتصور
قلت : هل هي أكثر من أنتزاع انتمائي الحقيقي الى الوطن، هل هي أكثر من خيانة الوطن، هل هي أفضع من الكذب على الوطن...
قال : هذه ليست عقوبات...
قلت : بل مسؤوليات، وأنت تخالفها... تقتلها، تنفيها من قاموس المدافعين عن الوطن بحق.
قال : جندي بليد... أتعرف ما هي عقوبة من يخالف الاوامر؟
قلت له : لا
أجاب : أكثر مما تتصور
قلت : هل هي أكثر من أنتزاع انتمائي الحقيقي الى الوطن، هل هي أكثر من خيانة الوطن، هل هي أفضع من الكذب على الوطن...
قال : هذه ليست عقوبات...
قلت : بل مسؤوليات، وأنت تخالفها... تقتلها، تنفيها من قاموس المدافعين عن الوطن بحق.
توقف الحوار...
عدت الى نفسي قليلا، لارى ما يمكن أن
أفعله، دفاعا عن نفسي، لان أعرف أن كل الحقد الذي كان على هذه الارض، متجدر في
عيناي الجنرال.. وهذا طريق اخر للانتقام.
قلت، لما لا أعود متخفيا الى الوطن، لقد أرهقتني صوت الدبابات التي تختفي في كل بعد، يجتاحها عسكر من السراب، تختفي امام تنفس الارض لحرها، ونفخها المستمر للرمال، لتختفي تلك الجبال التي تحمي هذه الارض منذ أزل بعيد.
قلت، لما لا أعود متخفيا الى الوطن، لقد أرهقتني صوت الدبابات التي تختفي في كل بعد، يجتاحها عسكر من السراب، تختفي امام تنفس الارض لحرها، ونفخها المستمر للرمال، لتختفي تلك الجبال التي تحمي هذه الارض منذ أزل بعيد.
أعود الى منزلي، وحقيبتي ممتلئة تماما
بهدايا مختلفة، أحرقت كل رمز، كل اشارة وكل لباس، وكانت هداياي، على شكل قلوب،
وأزهار وزعتها مثنى مثنى على كل أفراد أسرتي، وقلت مسرعا مناديا بصوت مرتفع،
تعبيرا عن الحرية التي استطعت انتزاعها من فم الاسد، لما أسرع ذاك الجنرال الى رفع
شكاية الى المحكمة العسكرية، لمعاقبتي، لم يفلح، لأني املك روحا وطنيا حقيقيا،
وكان من حظي أن كانت بيدي أوراق مخالفات كثيرة، إقترفها الجنرال في حق الجنود وفي
حق الوطن، وفي حق الوطنية...
كان صراخي كالتالي : أمي أمي لقد عدت، عدت
أخيرا الى الوطن، بالرغم أني لم اكن الا داخل ترابه منذ أزل... أمي أمي لقد تحررت
من ازدواجية العبودية، وها أنا لا أريد الا أن أنام في حضنك الى الابد، أن ألمس من
نبضات قلبك الزكي والنقي، علامات النبوة، روح الوطن، وكل شيء جميل، إفتقدته في
زنزانة بدون جدران، في سجن بدون حدود دفاعا عن حدود وهمية...
يتبع
للتواصل مع الكاتب على الفيسبوك، اضغط هنا : موحا العناني

