ضجيج الحياة، التعاسة، السعادة وأشياء اخرى في زمن الحروب، أستبدلها بصرخة واحدة : " أينك يا أفخاخ طفولتي... "
ثم أملأ جيوب سروالي الممزق، بثمار شجرة
التين، وأعود الى الحقول، لاقدم إعتذاري الى كل الازواج الذي قتلت أفخاخ طفولتي
أفراخهم، ثم أعيد تقديم أعتذاراتي الى كل الافراخ التي إصطادت أفخاخي أباءاهم...
اليوم، على أنغام عصافير
أسيتقظ، كل واحد منهم، يغرد من مكانه، على أعلى الشجرة، على جدار بيتنا، على حافات
جدران منازل أصبحت أطلالا... أطفئ المذياع، والتلفاز و اضغظ على زر صمت وسكون لكل شيء، لا حركة ولا ضجيج...
هذه الحياة لا تحتاج حقا الى أصوات بشر، ولا
محركات ولا سيارات ولا الى أصوات أتية من ألة العصير، أقتل كل شيء يأتي من هذه
الاشياء الى مسامعي الا صوت العصافير والطيور، هي الوحيدة التي تشعر بوحدتي، تشعر
بكل إحساس ينتابني، ثم أتحدث مع أحد العصافير التي تزور نافذتي يوميا...
أترك لها حبوب قمح،
وبذور دلاح وشعير...
فقلت : مرحبا بكم جميعا أيتها العصافير
الرائعة الجميلة، مرحبا بك وبانغامك وموسيقاك...
صدفة يرد علي أحدهم: تانمرت تافات، حقا لنا
الشرف، لقد كانت نافذة بيتك الجميل المبني من طين، مكانا جميلا، نبدأ منه يومنا في
البحث عن رمق عيش، المكان الذي نشعر به بالامن والامان...
قلت : أصدقائي وأحبابي العصافير بكل أنواعكم،
هل تعرفون أن الصوت الذي يبقيني على قيد الحياة، هي أغانيكم الجميلة، لقد تعودت
عليها، وتانمرت لكم جميعا على السرور والسعادة التي تتركونها على ملامح وجهي، وعلى
قلبي الذي يفقد الحياة يوما بعد يوم..
ثم رد أحد أخر من هذه العصافير : لا عليك،
نحن نتناوب على نافذتك، لنقدم لك أجمل أصواتنا، ولنجعلك سعيدا، ونخرجك من وحدتك،
فنحن نترك لك أيضا حتى منتصف الليل أحدنا يراقب نافذتك لان نورها الذي يمزج بين
اللون الازرق والاخضر يرحب بنا دائما، أنت لا تنام، هل أنت على ما يرام...؟
قلت : حقا تزداد سعادتي يوما بعد يوما، الا أن نادم
على ما حل بأطفالكم، فأفخاخ - منادف - أبناء قريتي لم يترككم في سلام، لكن
على يقين أنكم الان في مأمن، فهم لم يعودوا يقومون بمجازرهم، لم يعودوا يعرفون حتى
الطريق الى حقولهم، لقد مزقهم العالم الجديد الذي سرق منهم الحياة عبر تكنولوجيا،
عوض أن يربطوا بكم علاقة محبة وأمن وأمل، ويستكشفوا الطبيعة وكل ما فيها، يكتفون
بإلتقاط صور بالية تفقدهم الاحساس بحقيقة الطبيعة وجمالها...
طائر اخر حل جديدا في بساتنا، وعشش في شجرة
حقلنا، يقول : حقا تافات، كنت أترك أطفالي اليوم في امن، لا أحد يتسلق الشجرة
ليسرق بيضنا، ولا أحد يضرب أعشاشنا الحجرة، ولا ينسفها بأغصان طويلة من أغصان قصب
السكر المزور...
أحبائي العصافير الجميلة، أشكركم جميعا على
صداقتكم الجميلة والرائعة، حقا سعيد بمعرفتكم، فأشكالكم وألوانكم وزغاريدكم تجعلني
أعيد علاقتي مع الطبيعة، وتجعلني أكتفي بألوانها الحقيقية، وأدرك أن الانسان مهما
حاول أن يكون إنسانا فهو دائما يدمر بنزواته المدمرة المعبرة عن الحرب والموت
والدمار، أكثر الاشياء التي تجعله على قيد الحياة.
للتواصل مع الكاتب على الفيسبوك، اضغط هنا : موحا العناني

