"الأفعى المجنحة" المغامرة الكاملة .
تعلمنا في قصص "أغاتا كريستي" وفي عموم القصص البوليسية أنه لا توجد جريمة كاملة .
وإذا لم يكن هناك من جريمة كاملة مؤكد أنه ليس هناك من مغامرة كاملة . وبما أن كتابة الرواية مغامرة ومغامرة حقيقية فإنه يمكننا القول بوثوق تام أنه لا توجد رواية كاملة . لكن مع ذلك وإذا كان بلوغ الكمال في النص شيء مستحيل ، فإن "الأفعى المجنحة" أو "كويتزالكواتل" أو "المايا يحكمون العالم" اختر العنوان الذي يناسبك حاولت أن تكون رواية كاملة ليس من الناحية الأدبية -فتلك ناحية نتركها للقارئ والناقد والمتابع- بل من ناحية طريقة الولادة والخروج إلى هذا العالم .
هذا المقال المتواضع مخصص لتناول هذه التجربة من منطلق الواقع الذي يعيشه الأدب في المجتمع المغربي . وليس للحكم على نص الرواية ، مهمة كما قلنا نتركها للآخر المتجرد .
"الأفعى المجنحة" عندما قررت أن تكون عرفت أنها في واقع صعب جدا . فليس هناك من دعم مادي ، ولحسن الحظ هناك فايسبوك وأصدقاء فايسبوكيون راقون وفروا الدعم المعنوي الذي هو أساسي جدا لكل من يريد القيام بعمل استثنائي .
إذا أردت أن تكتب في المغرب ، وتحافظ على صحتك النفسية في آن ، عليك أن تعول على نفسك وعلى نفسك فقط .
لحسن الحظ مرة أخرى هذا ممكن بل وممكن جدا ، لأنه يمكن أن تكون الكاتب والباحث والموضب ، والمصحح والمتكلف بالجوانب القانونية ، والمتعاون مع مصمم الغلاف والواضع لخطة الإشهار والموزع ، والبائع والمتفاوض مع الشركاء الذين سيظهرون والمستثمر ، والباحث عن مستثمرين في روايتك التي تؤمن بها .
أنصح جدا بهذه الطريقة والتي فقط عبرها يكون مصير الكاتب في يد الكاتب ، ويكون واضحا مع نفسه ، وإذا كان هناك من نجاح فبفضله وإذا لم يكن هناك نجاح لا يمكنه أبدا أن يتخذ أي طرف مشجبا للتعليق .
هذه الرواية سرقتني من عالمي إلى عوالمها الكثيرة . وجعلتني أعمل بجد لسنتين متتابعتين على الأقل ، عوالم المايا ، وعوالم الموحدين وعوالم الأندلس . ثم فرضت علي دراسة تاريخية لأوروبا في بداية العقد الثاني للقرن الثالث عشر ، ثم جعلتني اوسع مداركي عشرات المرات عن الاسكندنافيين والإنجليز وآخرين سيكتشفهم القارئ للأجزاء الثلاثة .
لكن وأنا أصنع هذا البطل الصلب الخارق الذكاء ، المحظوظ العاشق الثري المتطور دائما ، والمؤمن بقضيته كنت أعرف أنه علي أن أتقمص الكثير من صفاته كي أستطيع ايصال هذا العمل إلى القارئ المغربي الذي لم يعرف عنه بالضرورة تحمسه للإصدارات الروائية الجديدة .
هذا القارئ الذي علينا أن نكون منصفيين في حقه بقولنا أنه ليس وحده من يتحمل مسؤولية أزمة القراءة في بلدنا العزيز إذ أن الكتاب أيضا -والناشرين والموزعين وأصحاب المكتبات- أيضا يتحملون جزء من المسؤولية في هذه الأزمة الغريبة العجيبة المستحكمة .
نعم نعم فنحن حملة القلم أيضا مسؤولون لأننا دخلنا في دائرة مفرغة من القراءات للمنتوجات الشرقية ، وللعقلية الشرقية ، وللأفكار الشرقية . حتى ونحن نحاول أن نثور على الأنماط نحاول أن نثور بطريقة شرقية قديمة . إذن اسمحوا لي أيها السادة أن أقول هنا أن الطرق الشرقية عقيمة جدا ...
نعم لغتنا عربية ، لكن على الكاتب العربي أو الذي يكتب بالعربية الآن أن يتقن لغة أجنبية واحدة على الأقل فإن أتقن اثنتين فذلك أفضل وإن أتقن ثلاث لغات أجنبية فذلك الاقتراب من الكمال مرة أخرى .
وليس عليه أن يقرأ بها فقط ، بل عليه أن يستورد ، فما أحوجنا لآليات التشويق والجذب والإغراء الكائنة في الأعمال الروائية الغربية ، والتي يمكن للاوعي الكاتب الذي يكتب بالعربية أن يتشبع بها بمجرد الإمعان والإكثار والانغماس الشديد في الرواية الغربية بلغتها الأصلية .
"كويتزالكواتل" والتي تعني بلغة المايا (النهواتل) "الأفعى المجنحة" ، رواية تفترض أن حضارات أمريكا الجنوبية هي من اكتشف إفريقيا وآسيا وأوروبا قبل اكتشافات الأروبيين بثلاثة قرون تقريبا ، وتذهب بعيدا في هذا الافتراض ، تذهب حتى النهاية ، في رحلة افتراضية كاملة .
رحلة قام بها البطل وأصدقاؤه وعائلته أيضا ، رحلة لم تكن أبدا في التاريخ ، لكنها رحلة كان يمكن أن تكون لأنها في خيالها واقعية جدا وفي واقعيتها خيالية جدا .
هي تقلب التاريخ ، لكن في نفس الآن تحترمه احتلراما شديدا .
المايا لم يكتشفوا باقي العالم ، لكن لو حدث وأن فعلوا في تلك الفترة فما رآه البطل في الرواية كان كائنا.
هي رحلة لم تحدث أبدا ، لكنها في نفس الوقت دراسة مقارنة لمجتمعات تلك الفترة التي مر منها البطل .
مقارنة التطور ، وأنماط التفكير ، وأنماط الحكم .
مقارنة بين مجتمعات المايا ، ومجتمعات القبائل الإفريقية ، والمجتمع المغربي الموحدي ، والأندلس ، والمجتمعات المسيحية التي هي نواة الجزء الثاني . أما الجزء الثالث فحكاية أخرى وتعريج على أمور لا بد أن تحدث كي يستطيع المايا حكم العالم أقله في الخيال الأدبي .
"المايا يحكمون العالم" رواية تثبت أن فعل الكتابة في واقعنا المغربي صعب ، لكنه ممكن وممكن بمعايير عالية الجودة ، على الكاتب أن يفرضها على نفسه . لأنه إذا لم يفرضها على نفسه ليس هناك من سيفرضها عليه ومؤكد أن الجودة عندها ستتأثر .
يمكن أن تكتب ، ويمكن أن تكون كاتبا ، ويمكن أن تنجح ككاتب أو كاتبة في هذا المجتمع ، بل إن نجاحك في وسط قفر فكريا كهذا دليل على قوتك وشدتك وعنفوانك الأدبي .
آمن بنفسك وبالقارئ وبالحظ الجيد وبالأصدقاء الرائعين وآمن أن العالم لك وأنت مالكه ، وستكتب أشياء رائعة جدا سنفتخر بها كلنا نحن المغاربة .
هذه رسالتي لك يا من يحس أن كاتبا في دواخله .
للتواصل مع الكاتب على الفيسبوك، اضغط هنا : هشام الدراز

