728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    مـــارِيـــّا~ محمد الدهر~

    مـــارِيـــّا
                    بقلم :  محمد الدهر

    في ليلة حارة كاحلة، كانت ماريا ثملة تتمايل يمنة ويسرة، نظرت الى السماء فبدأت تتأمل. دمع قلبها قبل أن تدمع
     عينيها. ماذا تذكرت؟  تذكرت أنه لم يبقى في حسابها البنكي أي رصيد ... بدأت تتأمل بالرغم من ثمولها. شربت
    حتى الثمالة ... شربت لكي تنسى نفسها ومن تكون ، وتنسى الواقع. لم تستطع ذلك، فالواقع يطاردها أينما حلت
    وارتحلت؛ فواتير الماء والكهرباء تتصور لها أمام عينيها. آه، نسيت ... زد على ذلك القرض الذي أخذته السنة
    الفارطة لكي تسعد بإجازة هي وأبناءها؛ لها ابن ذو السبع سنوات وبنت تكبره بسنتين.

    يا حسرتاه كم مر الوقت بسرعة. تذكرت الإجازة والوقت الذي أمضته مع أولادها، بعيدا عن صخب المدينة وخطر الليالي في صيفها وبردها ... طبيعة عملها يحتم عليها أن تعمل في الظلام؛ متخفية، شديدة الحذر، ذئاب في كل مكان، لا تثق في
    أحد؛ وكيف ذلك وقد خانها زوجها وتركها خارج القطيع، أنياب مكشرة يمنة ويسرة ، ثم أماما،ثم خلفا، ثم فوقا وتحت
    بدون ملاذ ولا معيش. ماريا  إمرأة شابة، حظها في الحياة قليل، مع أنها طيبة القلب، جميل جسدها، حسناء المظهر.
    عيناها صافيتان واسعتان لونهما أزرق فاقع، تحوطهما رموش كثيفة. شعرها ناعم وطويل؛ عندما تطلق خصلات
    شعرها الاصفر تغدوا فاتنة تجذب الأعين، تنسي وتصرف كل من حدّق فيها عن باقي التفاصيل.

    سبحت وغاصت في ماضيها الحلو الجميل الذي سكن مخيلتها بتفاصيله؛ اصبحت مدمنة على تذكره حنينا له. فبدأت
    تسرد سيناريو حياتها الماضية لأحشائها وأعماقها، حتى خيل لها أنها ركبت سفينة الزمن في بحر مليء بالمسرات
    والسعادة والنقاء.

    ارتفع عواء الكلاب في الشوارع، ايقظها من رقادها العميق ... عرفت أنه اقترب وقت آذان الفجر. أنوار في النوافذ
    بدأت تطل، أصوات بدأت بالارتفاع. تأسفت وذمت حظها السيء؛ وجدت نفسها أنها حرمت حتى من غفلة اليقظة
    لتحلم وتطير في أعماقها لتسرد وتحبك خيوط ماضيها .... لكنه انتهى بعد النباح.

    الحياة بالنسبة لها زنزانة، لا بل أكثر بكثير. ربما بئر مظلم حالك ... نعم بالفعل، هو كذلك؛ مقيدة لاتستطيع الحراك
     تدور بدون هدف  ... الجدران من كل جهة، الكل يترقبها ويشير لها بالبنان. أفاعي سامة هنا وهناك، كل ينادي من
    جهة بحفيفه .

     هل نسيتي أم أنك تتناسي؟  أدي ما عليك، وإلا ... وإلا ماذا؟ ... الفاتورات... آه، عدْتَ مرة أخرى.
    عادت المسكينة ماريا من جديد الى الواقع؛ البيت المستأجر، ماءه وإنارته ... الأبناء ومتطلّباتهم التي لا تنتهي؛
    يريدون السفر مرة أخرى ... قرض آخر، سجن آخر...  سجن أم بئر؟ سميه كما شئت فالأسامي ماعادت تهم.
    مارِيّا ... يا ماريا  ... ماريا المسكينة بدأت تسمع أصوات غريبة  لا تعرف مصدرها. من أنت؟ لا يهم يا ماريا ...
    لا يهم ...  خذي نصيحتي؛ نصيحة شيطان مؤمن. عودي إلى ثمالتك واشربي حتى الموت ... مهمتي أن اتبعك ... فقط
    أنت لا سواك ... سوف اتبعك حيث ما ذهبت .  آه رأسي، ألا تمل؟.. بلى، عشقتك وأحببتك حتى تهيأ لي أن السماء
    فارغة وأن الأرض لاشيء فيه إلا أنت ... هل عرفت من أكون؟  ... طال الصمت ... طال جدا . أنا قدرك، وأنت لي،
    فتقبلي واقعك المرير بإبتسامتك الشافية في الحياة الدامية بلا رحــــمــــة، ولا شفقة ...  لا مفر، لا هروب
      

         فيسبوك الكاتب :محمد الدهر


                                                                                       


    إلى الأعلى