728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    تكنولوجيا تتقدر وإنسان يتدهور~ بلال كلوح~


    أحمد, إنسان في مقتبل العمر وهو من مواليد الثمانينات..
    لما وُلد أحمد كان كل شيء مختلفا عما هو عليه الآن.
    كان دونالد ريجان وغورباتشوف على رأس أكبر قوتين في العالم وكان حائط برلين لا زال موجودا. كان التيار الاشتراكي في بلادنا في أوج قُوته وكانت الحركات الطلابية متوحدة وتُكافح كلها لأجل أهداف موحدة. لم يكن أحد يعلم عن الهواتف الذكية ولا السيلفي ولا مشروع الجينوم البشري. الهاتف المحمول الجيد حينها كان يزن قرابة الكيلوغرام وكان ثمنه يفوق الثلاثين ألف درهم (أكثر من 60 ألف درهم إن افترضنا أن مستوى التضخم يراوح 2.5% سنويا).
    كل شيء كان مختلفا ولا شيء كان مختلفا. كان الأشخاص حينها يتصارعون من أجل أن يضمنوا لقمة العيش لأبنائهم ولا زالو كذلك. حينها كان الخوف من الموت ومن فقدان الأحباء من أكبر المخاوف التي سيطرت في ذلك العصر.. ولا زال الأمر كما كان.
    كانوا يطمحون لتحقيق الرفاه لعائلاتهم والنجاح في حياتهم تماما مثلنا..
    كانوا يعرفون معنى أن يخونك أقرب المقربين ويطعنك من ورائك تماما مثلنا.. تغيرت التكنولوجيا وتطورت ولم يتغير الإنسان.
    ذلك الإنسان الذي ثار على الظلم في إيران أو الجزائر أو غيرها, هو نفسه الذي ثار على الظلم  في بلدان ما يُسمى بالربيع العربي.
    ذلك الإنسان الرائع الذي يُدعى إيريك فروم والذي لطالما دافع عن إنسانية الإنسان يشبه إلى حد بعيد ذلك الإنسان الذي يُدعى نعوم شومسكي.
    ذلك الإنسان الذي كان يقتل بكل بشاعة الإنسان في البوسنة والهرسك هو نفسه الذي يذبح العزَّل في ما يسمى بالدولة الإسلامية في العراق والشام أو الكيان الصهيوني.
    ذلك الإنسان الذي كان يُحب فيؤلف في محبوبته القصائد والأشعار هو نفسه الذي لا زال قلبه يخفق الآن فيكتب منشورات على الفايسبوك للتغزل في محبوبته.
    ذلك الإنسان الذي كان يشعر بالوحدة رغم أنه محاط بعائلته وأصدقائه هو  نفسه ذلك الإنسان الذي يمتلئ حسابه على الفايسبوك بالأصدقاء ويجد نفسه يبكي وحيدا في ليلة شتوية.
    ذلك الإنسان الذي كان يستيقظ صباحا ويعمل بجد كآلة في سبيل أن يظفر بلقمة عيش هو نفسه ذلك الإنسان الذي لا زال يعاني من الاستعباد بأحدث صوره فيما يُسمى بعقود العمل.
    ذلك الإنسان الذي أدى به كبره وتبجحه لأن يغزو بلادا بحجم الكويت هو نفسه ذلك الذي ذبح الآلاف في ميادين النهضة ورابعة.
    ذلك الإنسان الذي قتل الشاب حسني في مطلع التسعينات هو نفسه الذي قتل البراهمي وبلعيد في تونس.
    ذلك الإنسان الذي برر باسم الرأسمالية أو الاشتراكية إشعال حروب دمرت العالم يشبه إلى حد بعيد ذلك الإنسان الذي يبرر باسم الدين الخنوع للظلم أو قتل الأبرياء ويحاول أن  يسلبهم  حقهم في أن يؤمنوا بما يريدون.
    ذلك الإنسان الذي اخترع الهاتف الخلوي في أواخر السبعينات ليُسهل على الناس قضاء حاجاتهم والتواصل فيما بينهم يشبه إلى حاد بعيد ذلك الشاب الأمريكي الذي ربط العالم بشبكة تواصل اجتماعي.
    تطورت التكنولوجيا ولم يتطور الإنسان معها.. فتوفرت الوسيلة واختفت الغاية والقيم وصار الإنسان تائها يُحاول أن يسد جوعته النفسية بماديات لا تزيد الهوة إلا اتساعا.. فتكون لنا جيل كلما أحس بضيق ذهب إلى محل تسوق أو حانة.. والأولى كان أن يقصد مكتبة أو مشفى يزور مرضاه أو دار عجزة يسلم على سكانها.
    تكون لنا جيل ممن يظنون أن ما يملكونه هو ما يحدد من هم.. جيل ممن يظنون أن الوحدة عيب ويفضلون أن يكونوا محاطين بأشخاص لا يحبونهم على أن يبقوا وحيدين.

    إلى أن نقلب المعادلة ويصير الشخص يُقيم بما يعطيه لا بما يملكه.. حينها يمكننا أن نقول أننا تطورنا حقا. لأنه من غير ذلك, يبقى كل تطور مادي نعيشه مجرد وهم نحاول أن نتهرب من خلاله من مسائلة صادقة لأنفسنا.

    فيسبوك الكاتب : بلال كلوح


    إلى الأعلى