728x90 شفرة ادسنس

  • أحدث المقالات

    التسول وأشياء أخرى..~أحمد المرسي~

    التسول وأشياء أخرى..
    أحمد المرسي

    من الجميل جدا كما يقول لي والدي دوما أن يستيقظ المرء باكرا، ويطلق العنان لساقيه لقضاء الحوائج الإدارية المستعجلة، وكذا ترويض الذات للتعود على الاستيقاظ المبكر بحثا عن رزق يعيل على العيش الكريم، في زمان لا يستيقظ فيه معظم الذين أعرفهم حتى ينتصف النهار ويحصلوا على أكثر مما أنت طامح لأن يملأ جيبك، الذي لا تعرف له الأوراق النقدية طريقا ولا سبيلا..
    ولأجل الاستيقاظ مبكرا، فأنت في حاجة إلى ضبط المنبه قبل الموعد بأكثر من نصف ساعة، لكن رغم ذلك ستغادر الفراش بحركات بطيئة، إلى الشارع حيث تخفت حركة المرور عدا بعض سيارات الأجرة وحافلات النقل العمومي المتآكلة الجوانب، التي يجوب بها سائقين يظهر على محياهم عدم الرضا..في انتظار أن تصل الحافلة، سيدب من حولك "أناس الصباح" لا تعتاد على رؤيتهم في باقي أوقات النهار؛ إنهم الحرفيين وتلاميذ متأبطين بمحفظاتهم..
    من أحد الأحياء الغارقة في التهميش لن تجد سوى الفقر والجهل؛ يمشيان على أقدام متورمة من أحذية أصلحت أكثر من مرة وبملابس أخذت على مقاس غيرهم، يفترشون في الليل كراطين ويلتحفون السماء، يستيقظون معك في نفس التوقيت ويهمون إلى الشوارع الرئيسية للمدينة، حيث يتوزعون في كل صباح وبأعداد كبيرة، إذ أينما وليت وجهك تجدهم أمامك منتشرين في ديكور اجتماعي بائس، يستجدي القلوب وينهب الجيوب ومن مختلف الأعمار والفئات؛ أطفال وفتيات في عمر الزهور، شيوخا وحتى شبابا تجدهم في الشوارع والحافلات وأمام المساجد وحتى في أحلامنا، يتخذون من التسول "مهنة" لكن من دون كرامة..
    قصدت إحدى الإدارات، بغرض استخلاص شهادة للتخرج من أحد مراكز التكوين، في تمام الثامنة والنصف، لا أحد غير عاملة النظافة وصور المتسولين ماتزال راسخة في ذهني وهم يستعرضون مختلف عاهاتهم الجسدية والذهنية..تبادلت الحديث مطولا مع خديجة المكلفة بالكنس والتجفيف وتلميع الواجهات الزجاجية وو.. حول عدة قضايا تصدرتها الوضعية الاجتماعية والاقتصادية لشريحة عمال النظافة في الإدارات المغربية والتعسف الذي يطالهم، في هذا الصدد قالت "شي يضرب مليون وينعس حتى العشرة..وشي يعطوه عشرة ألاف ويجي مع الفجر".
    وما إن وصل الموظف المكلف بتسليم الشواهد، البادية على وجهه علامات الاستياء والضجر من السنين الطويلة..بادرت إليه بطلبي مع معلوماتي الشخصية، فأخبرني بكل برودة نفس أنه لا وجود يا "أحمد" لاسمك في ملفات المؤسسة..ألححت عليه وذكرته ببعض الأحداث التي لم يمر عليها أقل من ثلاث سنوات..غير أنه ضجر مني وبدأ ينظر لساعته، فقد حان وقت إشعال سيجارة الصباح..لكني لم أتركه ولو للحظة..وعملت على تذكيره "أنني درست هنا لسنتين وعند المكون الفلاني والفلاني.."، فيجيبني وهل أكذب الحاسوب وأصدقك أنت؟؟
    استمر حديثنا فطلب مني مراجعة بعض الجهات الإدارية الأخرى، حتى نستطيع إدراج اسمك في قائمتنا المستحقين للشهادة المراد..قمت بجر أذيال خيبتي إلى احد الزوايا وجلست قرب أحد الشيوخ القادم صحبة ابنه على أحد الكراطين صحبة حارس أمن المؤسسة البدين، وبدأت أنفث سيجارة احتفظت بها من الأمس، فإذا بمدير المؤسسة ينزل من سيارته السوداء ويدخل ويصرخ على حارس الأمن "ماذا بك لا تطرد أولائك المتسولين من باب المؤسسة"..



    إلى الأعلى