ضائعة في روتين العصر
استيقظت عائشة باكرا على غير عادتها، حيث
قررت بعد ليلة صادقت
فيها الأرق، أن تكسر روتين العصر "
العنوسة".
ارتدت جلبابها ووضعت شالا أسود على رأسها
ونظارة شمسية على عينيها؛
كانت تخفي رغبتها الدفينة وقرارها
المتمرد..
ذهبت إلى السوق الأسبوعي، و اشترت ديكا
بعرف ملكي، يكسوه السواد،
ولم تنس اقتناء أوراق الحناء الخضراء.. وقبل
أن تسدد واجب ما اشترته،
رمقها بائع الديكة بنظرة إعجاب شديدة ،
كان ساعي بريدها قد وجد صندوق
استقبالها لدى عائشة حينها مغلقا..
أخذت ما طلبته ومضت مهرولة حيث مقر الشيخ
السحري، الذي ظنت
أنه سيمنح قرارها مصداقيته؛ طرقت بابه، وجالت
بعينيها في أركانه
حيث ملئ بالكثيرات ممن عشش بداخلهن روتين
العصر..
انتظرت لساعات، لكنها أقل من انتظارها
لأعوام طويلة وحيدة ..
ناداها الشيخ بالاسم " عائشة بنت
فاطنة"، فلا مكان للحالة المدنية الأبوية
في هذا المكان.. جلست بقربه مرتعشة من هول
الغرفة المظلمة،
والبخور الذي يخنقها .
رمى الشيخ بيده فوق رأسها بعدما وضعت فوق
صينيته هبتها الملكية
مع الحناء، فصعدت تمتماته إلى السماء كما
تصاعد دخان " الجاوي والصلبان "،
وقال مبشرا عائشة بشرى المشعوذين: "
انصرفي، إنك من المبشرين "..
لم تكن البشرى بجنة الآخرة، بل كانت بشراه
لها بما ظنته وتظنه مثيلاتها، جنة الحياة.
خرجت كما دخلت في سرعة العداء الريفي،
تحمل في طيات ذهنها نهاية الألم الطويل..
خطت بأقدامها العتبة المؤدية إلى الشارع،
فجحظت عيناها لما رأت:
" لا تقل أني نسيت سداد ثمن ما
اقتنيته منك؟ "
ضحك بإعجاب .. لقد كان بائع الأعراف
الملكية )الديكة( ينتظر خروجها :
" انتظرت عودتك طويلا، ظننت أنك فهمت
رسالتي قبل أن تذهبي "
تصلبت أمامه قائلة:
" ماذا تقصد؟ ما الذي لم أفهمه
؟ "
بادرها فرحا بسؤاله :
" أتقبلين الزواج بي " ؟؟
تملكت الدهشة عائشة فهمست دون وعي:
" شايلاه أ مول البركة " .
و في خضم المفاجأة، و في لحظة ضياع فكر
عائشة و روحها
في دائرة إيمانها و نيتها الخالصة لـــ
" مول البركة "،
تاهت عن النظرة القدر، التي كسرتها حكمة
الباري قبل ولوجها
ذاك العالم الملتوي، الذي آمنت به ككل
المصابات مثلها بمرض روتين العصر.

